Home / أخبار / خاص”تنذكر وما تنعاد”.. ذاكرة الحرب الأهلية تقلق اللبنانيين

خاص”تنذكر وما تنعاد”.. ذاكرة الحرب الأهلية تقلق اللبنانيين

خاص"تنذكر وما تنعاد".. ذاكرة الحرب الأهلية تقلق اللبنانيين

بعد عقود من انتهاء الحرب الأهلية، يعيش اللبنانيون حالة من القلق المتجدد في ظل توترات سياسية وأمنية متراكمة، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف محتملة لعودة الاقتتال الداخلي بصيغ مختلفة عن الماضي. بين ذاكرة حرب لم تطو بالكامل وخوف متجدد في الحاضر، يقف لبنان أمام مشهد مفتوح على احتمالات متعددة.

السؤال الجوهري يبقى: هل يشكل هذا الخوف عامل حماية من تكرار الماضي، أم أنه يعكس هشاشة مستمرة في بنية الاستقرار الداخلي؟

تقول السيدة ريما صعب، البالغة من العمر 58 عاماً، إنها لا تزال تستعيد تفاصيل الحرب كما لو أنها حدثت بالأمس. وتضيف: “في مثل هذا اليوم كنت طفلة. عشت عشرين عاماً من الخوف والرعب والمصير المجهول وفقدان الأحبة”. وتشعر صعب أن الخوف اليوم لا يرتبط فقط بالذاكرة، بل أيضاً بما يُتداول في الشارع من مخاوف حول احتمالات التصعيد أو العودة إلى التوتر الداخلي.

من جهتها، تؤكد سحر الخطيب، البالغة من العمر 56 عاماً، أنها أمضت سنوات الحرب في الملاجئ، قائلة: “لم تكن حياتنا طبيعية. كان السؤال الدائم: هل اليوم سنقصف؟ هل اليوم سنموت؟ ومع الوقت تأقلمنا مع الخوف، لكنه لم يغادرنا”.

أما لميس حجار، البالغة من العمر 50 عاماً، فترى أن تكرار الحرب يرتبط بعوامل سياسية وإقليمية، وتقول إن الحرب تحتاج إلى تمويل ودعم خارجي، وأن فتح هذه الأبواب يمكن أن يؤدي إلى تكرار الأزمات بأشكال مختلفة.

في المقابل، يظهر جيل الشباب اليوم متأثراً بذاكرة لم يعشها مباشرة، لكنه يتعامل معها كاحتمال قائم. ويقول وسيم، وهو طالب جامعي، إن معرفته بالحرب تأتي من روايات العائلة ووسائل الإعلام، مشيراً إلى أن القلق يزداد مع كل توتر سياسي أو أمني. وتضيف تالا، البالغة من العمر 20 عاماً،: “لم نعش الحرب آنذاك لكننا نحمل خوفها بشكل غير مباشر. نشعر أن الاستقرار هش، وأن أي تطور أمني أو سياسي قد يغير حياتنا في لحظة، وحالياً نرتجف خوفاً من هدير الطيران”.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي محمد سلام أن مقارنة الوضع الحالي بمقدمات حرب عام 1975 ليست دقيقة من الناحية البنيوية. ويشرح أن الحرب الأهلية في سبعينيات القرن الماضي جاءت في سياق دولي مختلف، حيث كان العالم منقسماً إلى معسكرين رئيسيين في ظل الحرب الباردة. ويضيف أن المشهد الدولي اليوم تغير جذرياً، إذ لم يعد قائماً على تلك الثنائية، بل على توازنات متعددة ومتشابكة، ما يجعل طبيعة الصراعات مختلفة عن السابق. ويخلص إلى أن الخطر في لبنان اليوم لا يتمثل بالضرورة في تكرار الحرب الأهلية بصيغتها التاريخية، بل في استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني التي تبقي البلاد في دائرة القلق المفتوح.

من ناحية أخرى، يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” شارل جبور أن لبنان يعيش انعكاسات صراع إقليمي أوسع، ما ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني. ويعتبر جبور أن “الخطر الأساسي يكمن في احتمال انتقال التوترات الخارجية إلى الداخل، في حال غياب إدارة سياسية وأمنية فعالة”. ويشدد على أن دور الدولة ومؤسساتها الأمنية والقضائية أساسي في منع الانزلاق إلى الفوضى، من خلال فرض سلطة القانون على كامل الأراضي اللبنانية.

توضح الأستاذة الجامعية والباحثة الاجتماعية الدكتورة وديعة أميوني أن الجيل الذي لم يعش الحرب الأهلية يعيش ما يُعرف بـ”الذاكرة المنقولة”، حيث يتشكل وعيه عبر روايات العائلة والإعلام والخطاب العام. وتشير إلى أن هذا الجيل يعيش مفارقة واضحة، إذ يمتلك أدوات نقدية ورقمية متقدمة، لكنه في الوقت نفسه يتأثر سريعاً بالخطاب التصعيدي نتيجة غياب التجربة المباشرة.

وترى أميوني أن الخوف لدى الشباب قد يأخذ أحد مسارين: إما الانكفاء والانسحاب، أو التحول إلى قوة ضغط اجتماعية وسياسية إذا ما تم تنظيمه ضمن أطر مدنية فاعلة. وتضيف أن جيل الحرب يحمل “ذاكرة صادمة”، تشكل عامل ردع من جهة، لكنها قد تُستخدم أيضًا في إعادة إنتاج الانقسامات إذا لم تتم معالجتها ضمن سردية وطنية جامعة.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *