بدأت حكومة الأمل بالتراجع عن قراراتها السابقة واحدا تلو الآخر بعد أشهر من المعاناة، آخرها قرار استمرار مراكز الجامعات السودانية خارج السودان. وثار جدلا واسعا وسط المواطنين سيما الذين دفعت بهم ظروف الحرب إلى مواصلة تعليمهم في الخارج بعد أن وفرت لهم الجامعات السودانية مراكز مؤقتة في الدول التي يقيمون فيها.
وكان قرار وزارة التعليم العالي والذي أدى إلى إغلاق كل المراكز في الخارج ورفضها منح الدرجات العلمية أو اعتماد الشهادات التي ستصدر عن المراكز الخارجية دفع الكثير من الأسر إلى العودة للسودان رغم عن ظروف بعضهم التي لا تحتمل العودة بسبب فقدان أي مصادر دخل وتدمير منازلهم.
وقال المحلل السياسي أحمد شموخ إنه قبل 6 شهور، في أبريل الماضي، قدمت الأجسام الطلابية بجامعة الخرطوم مذكرة مفصلة لوزير التعليم العالي، طالبت فيها باستمرار مراكز الامتحانات الخارجية والتدرج في العودة للدراسة الحضورية. والمذكرة كانت مدعومة ببيانات عن أوضاع الطلاب، والمخاطر التي تهدد مسيرتهم الأكاديمية، والأعباء المالية واللوجستية التي ستتحملها أسرهم وسبقتها 15 مذكرة لعمداء الكليات، ووصلت مساعي الطلاب حتى مكتب رئيس الوزراء، لكن كل هذه الجهود لم تغيّر الموقف.
ورغم التحذيرات والاعتراضات، أصرت وزارة التعليم العالي على إغلاق المراكز في حينه، وقُدّمت للناس تطمينات عن جاهزية الداخليات وقدرتها على استيعاب الطلاب، بينما واجه كثيرون واقعاً مختلفاً. واتُّخذت قرارات مصيرية استناداً إلى تقديرات وأرقام بدا وكأن الغرض منها الحفاظ على صورة الإنجاز الإداري، أكثر من التعامل مع الواقع الفعلي للطلاب وأسرهم.
وقد أكد قطاع التنمية الاجتماعية والثقافية بمجلس الوزراء في اجتماع برئاسة وزير التعليم العالي، يوم ٢٢ أكتوبر الجاري، ضرورة إغلاق المراكز الخارجية، لكن بعد أربعة أيام فقط، قبل قليل، عاد رئيس الوزراء ليوجه باستمرار عملها إلى حين توفيق أوضاعها.
وخلال الأشهر الستة الماضية، كم طالب اضطر لتجميد دراسته؟ وكم أسرة تحملت نفقات انتقال وإقامة لم تكن مستعدة لها؟ وكم من الوقت والمال والجهد أُهدر بسبب قرار كان ممكناً التعامل معه منذ البداية بقدر أكبر من المرونة والمسؤولية؟
والأخطر هو غياب الوعي بأن الممارسات الرسمية اليوم، وطريقة تعامل المسؤولين مع المواطنين ومطالبهم واعتراضاتهم، هي التي ستحدد طبيعة العلاقة بين الأجيال الشابة ومؤسسات الحكومة خلال السنوات القادمة.
والمفترض أننا في مرحلة إعادة بناء العلاقة بين المواطنين والمؤسسات، باستثمار حالة التداعي الوطني لمواجهة العدوان والغزو الخارجي، وما أفرزته من لحظة وطنية جديدة. وهذه ظروف استثنائية تتطلب أعلى درجات الكفاءة والمسؤولية والحساسية تجاه أوضاع الناس. ولو لم تدرك العقلية التي تدير العمل الحكومي، خصوصاً في المواقع المسؤولة عن الخدمات والتعليم والتعامل المباشر مع المواطنين، حساسية هذه المسؤولية ومصيريتها، فسنكون بصدد إعادة إنتاج ممارسات يمكن أن تتحول إلى تهديد لمؤسسات الدولة والاستقرار، ولا تؤدي إلى استثمار اللحظة التاريخية لتعزيز الثقة الاجتماعية.
واحترام مؤسسات الدولة يتكامل ويقوى مع احترام هذه المؤسسات للمواطنين، ولوقتهم وحقوقهم وظروفهم ومستقبل أبنائهم. وسيكون من الصعب تصور علاقة جديدة إذا كان الشباب يختارون أساليب جديدة في المطالبة بحقوقهم، عبر المذكرات والحوار وطرق الأبواب وعرض القضايا بصورة علمية محددة وواضحة، ثم يخرجون من هذه التجربة بانطباع أن صوتهم لا يُسمع، وأن مطالبهم لا تؤخذ بجدية إلا بعد وقوع الأضرار التي حذروا منها.
ونريد دولة قوية، وعلاقة جديدة وأكثر صحة بين المواطنين ومؤسساتهم، وهذا يبدأ من تغيير عقلية الإدارة والمساءلة عن القرارات، لا الاكتفاء بتغيير الأشخاص وإصدار التوجيهات. ويرتبط ذلك، بصورة استراتيجية، بإعادة بناء المجتمع المدني السوداني على أسس علمية ومواطنية، تنطلق من الإجماع على الدولة، والنضال من أجل دسترة الحقوق وقوننتها، والدفاع عن المصالح عبر العمل المدني والمؤسسي المنظم.









