يبدو أن المنافسة لم تعد تقتصر على من يطور النموذج الأقوى، بل امتدت إلى من ينجح في نشره على أوسع نطاق.
تتطلع الإدارة الأميركية لتصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي الأميركية إلى العالم، لكنها تواجه تحديين رئيسيين في هذا السعي. أولهما، سياسة ضوابط التصدير التي يصفها البعض بأنها متقلبة، إذ تتخذ قرارات تقييد الوصول إلى النماذج المتقدمة بصورة غير مستقرة، مما يثير حالة من عدم اليقين داخل القطاع. أما التحدي الثاني، فيتمثل في عدم مواكبة واشنطن للجهود الصينية الرامية إلى نشر نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر عالميا، بالتزامن مع استخدامها على نطاق واسع داخل الصين في قطاعات التصنيع والرعاية الصحية وغيرها.
وسعت وزارة الخارجية الأميركية هذا الأسبوع مبادرة “باكس سيليكا”، التي تهدف إلى إنشاء تكتل تقوده الولايات المتحدة في مجالي الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، وتقليل الاعتماد العالمي على التكنولوجيا الصينية. لكن هذه الخطوة جاءت في وقت لا تزال فيه شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية تتعامل مع تداعيات فرض قيود تصديرية على أحدث نماذج شركة Anthropic، في حين تواصل النماذج الصينية تقليص الفجوة التقنية مع نظيراتها الأميركية، مع تقديمها بتكاليف أقل.
تروي إميلي واينستين، المسؤولة السابقة في وزارة التجارة الأميركية والباحثة حاليا في لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية الصينية، أن ما يحدث يشبه ما فعلته شركة هواوي في قطاع الاتصالات. وتقول إن الصين لا تكتفي بتوفير نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تعرض أيضا البنية التحتية المرتبطة بها مجانا أو بأسعار منخفضة للغاية، ما يسهل انتشارها في الأسواق الناشئة. وحذرت من أن الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي الصيني في دول الجنوب العالمي قد يخلق ما وصفتها بـ”نسخة معززة من نموذج هواوي”، بحيث تصبح هذه الدول معتمدة على بنية تحتية صينية غير متوافقة مع الأنظمة الأميركية.
قال دانيال ريملر، المستشار السابق للتكنولوجيا في وزارة الخارجية الأميركية، إن قرار تقييد تصدير نماذج Anthropic أدى إلى تجميد القطاع بأكله بانتظار سياسة أكثر وضوحا. وأضاف أن هذا التردد يثير القلق في وقت تتحرك فيه الصين بأقصى سرعة لتعزيز حضورها العالمي. وأشار سيف خان، المستشار السابق لوزير التجارة الأميركي في شؤون التقنيات الناشئة، إلى تزايد الدعوات عالميا لتحقيق “السيادة في الذكاء الاصطناعي”، متوقعا أن تميل دول كثيرة إلى استخدام النماذج الصينية مفتوحة المصدر بدلا من النماذج الأميركية الأكثر تقدما.
تحاول إدارة الرئيس دونالد ترامب احتواء هذا التوجه عبر تعزيز التحالفات الدولية. وأعلن وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون الاقتصادية جاكوب هيلبرغ أن 35 دولة وقعت هذا الأسبوع على “إعلان فرص الذكاء الاصطناعي” ضمن مبادرة “باكس سيليكا”. كما انتقد هيلبرغ مفهوم “السيادة الرقمية”، معتبرا أن بناء بنية تحتية وطنية مستقلة للذكاء الاصطناعي يمثل توجها “متخلفا وغير منتج”، ويقود إلى ما وصفه بـ”الرداءة المتزامنة”.
تشير التطورات إلى أن معركة الذكاء الاصطناعي العالمية لم تعد تدور حول تطوير النموذج الأكثر تقدما فحسب، بل أصبحت معركة على كسب المستخدمين والأسواق وبناء البنية التحتية التي سيعتمد عليها العالم في السنوات المقبلة. وفي هذا السباق، يبدو أن الصين تراهن على الانتشار والتكلفة، بينما تراهن الولايات المتحدة على التحالفات والتفوق التقني.









