المسرحية (حبل الكضب طويل).. تردد الولايات المتحدة حول استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية ضد الميليشيا هو جزء من سلسلة جديدة من الافتراءات الأمريكية ذات الدوافع السياسية. يتم تكرار هذه الافتراءات بشكل مكثف هذه الأيام عبر غرف إعلام دويلة الشر وأتباعها في «صمود» و« تأسيس »، محاولة لجذب الانتباه عن الضغوط الدولية المتزايدة لكشف أدوار المتورطين في العدوان على الشعب السوداني، وهي أدوار وثقتها تقارير وتحقيقات دولية. كما تهدف هذه المحاولة إلى التقليل من شأن الانتصارات الميدانية الكبيرة التي حققها الجيش السوداني، ومنح الميليشيا وداعميها غطاء سياسياً وإعلامياً للتستر على خسائرهم العسكرية والسياسية والدبلوماسية.
يطرح السؤال ببساطة: كيف يمكن لجيش يواجه نقصاً في الذخائر والأسلحة الأساسية ويُحتجز سفنه المحملة بالمعدات في الموانئ أن يمتلك فجأة قدرات متقدمة للحصول على أسلحة كيميائية باهظة التكلفة واستخدامها.
تذكر هذه المزاعم بحكاية أسلحة الدمار الشامل في العراق، التي كانت واحدة من أبرز الذرائع التي استخدمتها الولايات المتحدة لتبرير غزو العراق عام 2003 قبل أن يتضح لاحقاً بطلانها. العرض الذي قدمه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول أمام مجلس الأمن الدولي في فبراير من ذلك العام، كان مبنياً على معلومات استخباراتية قُدمت باعتبارها أدلة ثم تبين لاحقاً أنها لم تكن صحيحة ولم يُعثر بعد الغزو على مخزونات أسلحة الدمار الشامل التي قامت عليها تلك الرواية.
في السودان، قصفت الولايات المتحدة مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم في أغسطس 1998 بذريعة ارتباطه ببرنامج للأسلحة الكيميائية، لكن شهادات مسؤولين أمريكيين سابقين أثارت أسئلة حول المعلومات التي استند إليها قرار القصف. نائب مدير المخابرات المركزية الأمريكية آنذاك جون ماكلوغلين أكد في مذكراته أن أجهزة الاستخبارات كانت تحت ضغط شديد لتقديم هدف واضح وسريع للرد على تفجيرات السفارات الأمريكية في أفريقيا، مما أثر في عملية اتخاذ القرار. المسؤول الأمريكي نفسه يقر بأن ضغط الحاجة إلى الرد السريع أثّر في عملية صناعة القرار بينما كان الهدف الذي قُصف في الخرطوم مصنعاً لإنتاج الأدوية.
هل نحن أمام سيناريو مختلف اليوم أم أمام إعادة إنتاج للمشهد نفسه بأدوات جديدة؟! السيناريو والمشاهد تتغير لكن النص يبدو قديماً. رواية تُطرح أولاً بوصفها حقيقة ثم تُبنى حولها حملة سياسية وإعلامية واسعة قبل أن يأتي السؤال الأهم أين الدليل المستقل والقاطع؟!
يبدو أن مسرحية جديدة تُعاد بنص قديم تحت عنوان «حبل الكضب طويل». لكن الشعوب والدول التي عرفت أكاذيب الماضي لم تعد مستعدة للتصفيق للرواية ذاتها. فقد طال الحبل فعلاً لكنه لن يكون أطول من ذاكرة الشعوب ولا أقوى من الحقائق التي تكشفها الأيام.








