رجل الأعمال فضل محمد خير يكتب عن توظيف الهواء لاستقرار سعر الصرف، معتبراً أن استقرار العملة ليس سوى خيال واسع يسنده واقع المنتجين والإنتاج، وأن استقرار سعر الصرف لا يمكن أن يحدث بقرارات إدارية منفردة، بل بحزمة من السياسات الاقتصادية التي تنعكس قياس نتائج نجاحها مباشرة على الناتج المحلي الإجمالي الذي من الضروري أن يشارك في تحقيقه الجميع.
وعندما نتحدث عن اقتصاد يمتلك فائضاً، سيكون بالضرورة عن اقتصاد يتوفر له طاقة رخيصة، قادرة على تحويل المواد الخام إلى منتجات تنافسية. اليوم يعد الهواء كأحد أهم الموارد الاستراتيجية للسودان ليس لأنه مجاني ولا ينضب، ولأنه مورد ذي قيمة عالية يمكن حسابها وقياسها وبيعها والاستفادة منها متى ما توفرت العوامل والبيئة المناسبة.
لتوضيح هذه القيمة، دعونا ننظر إلى معادلة إنتاج الطاقة الكهربائية من الرياح وحساباتها تنص على أن القدرة المنتجة تساوي نصف كثافة الهواء مضروبة في مساحة مسح المروحة مضروبة في مكعب سرعة الرياح. هذه المعادلة الطبيعية البسيطة تخبرنا بسر إن كثافة الهواء وسرعته هما رأس المال الحقيقي، ففي حين يبلغ المعيار العالمي لكثافة الهواء عند مستوى سطح البحر (حوالي 1.225 كيلوجرام للمتر المكعب)، نجد أن مناطق مثل ساحل البحر الأحمر وغرب وشرق مدينة دنقلا تتمتع بكثافة هواء قياسية وسرعات رياح تتجاوز 7 أمتار في الثانية ما يضعها في مصاف المناطق الغنية عالمياً والمناسبة تجارياً لإنتاج طاقة الرياح.
كل زيادة طفيفة في سرعة الرياح وكثافتها تتضاعف مكعباً في حجم الكهرباء المنتجة، وكل زيادة في الكهرباء الرخيصة تعني تكلفة إنتاج أقل، وكل تكلفة إنتاج أقل تعني منتجات أكثر تنافسية في الأسواق العالمية، وكل تصدير ناجح يعني دخول عملة حرة تدعم الجنيه السوداني، وهكذا من كثافة الهواء، إلى استقرار سعر الصرف.
ولتبسيط هذه المفاهيم، دعونا نتأمل حقيقة أن الطاقة بالنسبة للاقتصاد مماثلة للروح في جسم الإنسان، الجسد البشري مهما كان قوياً ومكتمل الأعضاء يظل ساكناً بلا حراك إذا فارقته الروح أو نام نوماً عميقاً، وكذلك الموارد الطبيعية. يمتلك السودان جسداً اقتصادياً عملاقاً يتمثل في ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة ومعادن ثمينة وثروة حيوانية هائلة وموقع استراتيجي على البحر الأحمر، لكن هذه الموارد مهما كانت كبيرة وعظيمة تظل بدون طاقة وفي حكم النوم العميق ساكنة لا تنتج ولا تثمر، الطاقة هي تلك الروح التي ترسل في جسد الموارد لتوقظها من سباتها فتحرك المصانع وتروي الحقول وتستخرج المعادن لتدب الحياة في أوصال الاقتصاد.
ينتظر هذا الجسد الاقتصادي العملاق، فقط من يبث فيه الروح، والروح هنا هي الطاقة الكهربائية الرخيصة. وبما أن موارد السودان الهائلة متوفرة وجاهزة، فإحد مقترحات الحلول تكمن في الإسراع الفوري لإنتاج هذه الطاقة بطرق وأساليب جديدة مبتكرة ومضمونة النجاح، وهذا بالضبط ما يقدمه مقترح المسار الاقتصادي السريع ويعني استغلال الموارد غير المستخدمة الآن.
تكمن الفكرة في كيف نحرك هذه الموارد غير المستخدمة وتجاوز عثرات الإنتاج والمنتجين؟ بإنشاء المناطق الاقتصادية الحرة وتمويل ذلك يتم بجذب المستثمرين دول وشركات وأفراد لهذا المسار السريع بطريقة جديدة علينا ولكنها مجربة في بعض الدول عبر إنشاء نظام اقتصادي جديد منفصل تماماً عن النظام الاقتصادي التقليدي القائم لتفادي المشاكل والمعيقات.
وذلك بتشييد هذا المناطق الاقتصادية بإدارات مستقلة ونظام مالي حر أشبه بالمراكز المالية العالمية التي تتحدث بلسان مفهوم للمستثمر العالمي الذي لا يأتي لبيئة غامضة أو معقدة وهو غريب الوجه واليد واللسان، بل يأتي ليبحث عن إطار تشريعي مألوف وقابل للتنبؤ وحرية كاملة في حركة رؤوس الأموال وقوانين ضريبية واضحة ونظام قضائي تجاري مستقل يحمي حقوقه.
لذلك نقول إن إنشاء مناطق اقتصادية حرة محصنة بقوانين خاصة تضمن استقلالية القرار وسرعة التنفيذ وهو حجر الزاوية في النهضة الاقتصادية، تشمل مزارع ضخمة لإنتاج الكهرباء من الرياح والشمس في مناطق شرق وغرب دنقلا والبحر الأحمر ومناطق زراعية وصناعية لتحويل الموارد إلى سلع وخدمات.
ورغم هذا الانفصال الإداري والتشريعي الكامل، فإن الاقتصاد القديم والجديد يتداخلان بشكل إيجابي عبر ثلاث قنوات رئيسية. أولاً، يوفر هذا المسار السريع موارد مالية كبيرة للدولة تتمثل في حقوق السيادة والرسوم السيادية التي تضخ مباشرة في الخزينة العامة حسب الاتفاق كرسوم سيادية مقابل استخدام الأرض والموارد، وهي وحدها كافية لتمويل مشاريع الاقتصاد التقليدي والخدمات العامة. ثانياً، يتم إنتاج الكهرباء من مزارع الرياح وبيعها للجهة المختصة التي تقوم بدورها ببيعها بالقيمة للمزارع والصانع في اقتصاد المسار السريع التقليدي، وهذا يحرك عجلة الاقتصاد القديم ويخفض تكاليف إنتاجه ويجعل منتجاته أكثر تنافسية.









