تسود داخل مؤسسات الدولة ممارسات غريبة وشاذة، أهدرت هيبتها وأضعفت قدرتها على الاضطلاع باختصاصاتها ومهامها السياسية والتنفيذية، في غياب نظام دستوري سليم وحكومة واضحة السلطات والصلاحيات تستند إلى دستور وقانون يخضع لهما الجميع. ويُنسب إلى الدولة أنها تحت سطوة النفوذ الشخصي.
أوردت واقعة وقعت في إحدى الوزارات، حيث أبلغ الوزير أحد كبار موظفيه، الذي كان يشغل منصب وكيل الوزارة بالإنابة، أنه قرر تكليف شخص آخر بمهام الوكيل، وشكره على قيامه بأعباء المنصب خلال الفترة السابقة، وطلب منه العودة إلى موقعه القيادي السابق مديراً عاماً لادارة حيوية في الوزارة.
وبعد أيام، ذهب الشخص المكلَّف بتولي منصب الوكيل إلى مكتبه، فإذا به يفاجأ بأن الوكيل السابق لا يزال يشغل المكتب ويمارس عمله فيه. استدعى الوزير الوكيل المكلَّف وسأله عن سبب عدم إخلائه المكتب للوكيل الجديد، فأجابه الرجل بكل ثقة: «أنا ذهبت إلى فلان فقال لي: خليك قاعد في مكتبك واستمر في موقعك». وأما فلان هذا فهو أحد أعضاء مجلس السيادة!
وأشارت إلى أن الواقعة حدثت قبل تولي رئيس الوزراء الحالي، الدكتور كامل إدريس، منصبه.
ونقلت أيضاً عن واقعة في وزارة الخارجية، عُرفت بتقاليدها المهنية الراسخة، حيث أن السفير فيها إذا بلغ سن التقاعد، وكان له صلة وثيقة بأحد أعضاء مجلس السيادة، فإن قانون الخدمة العامة الذي يحدد سن المعاش بخمسة وستين عاماً، لا يكاد يسري عليه، فمنهم من بلغ السبعين وربما تجاوزها، ومع ذلك لا يتزحزح عن سفارته، ما دام له بين أصحاب السيادة سندٌ وعضد.
وأضافت أن القوانين والقواعد المستقرة التي يفترض أن تسري على الجميع قابلة للتعطيل، متى وجد صاحبُ الشأن من بين أصحاب المعالي من يفتح له باب الاستثناء، ويحميه من تبعاته، ويُبقيه بمنأى عن المساءلة!
واعتبرت أن الخطر في هذه الوقائع ليس في أن شخصاً بقي في مكتب ومنصب لم يعد من حقه شغله، أو أن سفيراً تجاوز سن التقاعد ظل في موقعه بفضل صلة هنا أو نفوذ هناك، فهذه ليست سوى أعراض لمرض أعمق وأخطر وهو تآكل مفهوم الدولة ومؤسساتها، حين يصبح النفوذ الشخصي أقوى من القانون وأرجح من القرار المؤسسي!
وأكدت أن الدولة تستقيم حين تكون مؤسساتها أكبر من شاغليها، وقوانينها أعلى من أصحاب المناصب، وقراراتها صادرة عن الجهات التي يحدد الدستور اختصاصاتها وصلاحياتها.
وأشارت في الختام إلى عدم وجود دستور قائم يُحتكم إليه أصلاً.









