حكاية مكالمة هاتفية و حوار مع قائد سابق في مليشيا الدعم السريع. في أحد نهارات رمضان الماضي، تلقى صحفي مكالمة هاتفية من شخص أقنع نفسه المقدم محمد ازرق الفنجري، قائد المهام الخاصة بالدعم السريع وأحد أبناء المسيرية. تردد الصحفي في الحديث إليه بسبب حساسية التواصل مع شخص ينتمي إلى مليشيا تخوض حرب ضد الدولة، لكن المكالمة استمرت بعد تأكيد الفنجري علاقته بصديقة الصحفية.
في البداية، أخبر الفنجري الصحفي أنه لا علاقة له بمشروع الدعم السريع، وأن وجوده داخل المليشيا لا يعني تبنيه لمشروع آل دقلو، بل إنه يؤدي واجباً وطنياً سيتم فهم حقيقته في المستقبل. لكن في مكالمة لاحقة، أكد الفنجري أنه بالفعل أحد قادة الدعم السريع، لكنه يستعد للانضمام إلى القوات المسلحة، وأن قناعته بمشروع آل دقلو قد حسمت منذ وقت مبكر.
الفنجري أوضح أن مشروع آل دقلو لا يخدم المسيرية، ولا يعبر عن مصالحهم الحقيقية، وأن كثيراً من أبناء قبيلته تدفعهم الحمية القبلية إلى الاصطفاف خلفه دون إدراك للعواقب. كما أشار إلى أن آل دقلو يستثمرون في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المعقدة التي تعيشها مناطق المسيرية، ويقدمون للشباب والزعامات الأهلية وعود براقة، من بينها منحهم نصف إيرادات النفط، إلى جانب تأسيس نظام حكم في إقليم كردفان تكون للمسيرية فيه السيادة والنفوذ.
الفنجري أكد أن هذه الوعود مدخل لاستقطاب قطاعات من الشباب الذين لم تترك لهم البطالة وغياب فرص التعليم والعمل خيارات كثيرة. وحين تضيق سبل العيش، يصبح الشاب أكثر عرضة للانخراط في مشاريع لا يدرك بالضرورة حقيقتها، وقد يجد نفسه وقود لحرب لا تخدم مصالحه ولا مصالح مجتمعه.
الفنجري كان يتحدث عن المسألة من زاوية عسكرية فحسب، بل من منظور سياسي واجتماعي أوسع. كان يرى أن نهوض الأقاليم السودانية بمعزل عن الدولة المركزية يكاد يكون مستحيلاً في ظل التعقيدات التاريخية والسياسية التي تحكم السودان، وأن الحل لا يكمن في تفكيك الدولة أو استبدال مركز بآخر، وإنما في بناء مشروع وطني عادل يعترف بحقوق الأقاليم ومجتمعاتها في السلطة والثروة والتنمية.
وفي تقديره، فإن أهله من المسيرية ضحايا لطرفين: دولة مركزية أهملتهم طويلاً، ولم تنظر إليهم باعتبارهم قوة اجتماعية فاعلة في المشروع القومي، وحرمت مناطقهم من نصيب عادل في الثروة النفطية، رغم أن البترول يخرج من أرضهم، دون أن تنعكس عائداته بالقدر المطلوب على التنمية والخدمات وأوضاع المواطنين.
عندها، باغت الصحفي الفنجري بسؤال مباشر: هل يستطيع حميدتي وأشقاؤه أن ينتصروا لكم باعتباركم قوة اجتماعية صاعدة في السودان؟ جاءت إجابته مقتضبة، لكنها كانت كافية لتكشف كيف ينظر الرجل إلى طبيعة المشروع الذي وجد نفسه في قلبه. قال: “حميدتي لا يريد شعب، بل يريد وقود لحربه الشخصية ضد البرهان”.
العبارات كانت خلاصة رؤية سياسية ترى أن الشعارات التي رفعتها المليشيا وحلفاءها السياسيين باسم التهميش وحقوق الأقاليم قد تتحول إلى غطاء لمشروع شخصي، وأن المظالم الحقيقية التي عانت منها المجتمعات المحلية يمكن استغلالها لتجنيد أبنائها في حرب لا يملكون قرارها، ولا يضمنون أن تكون لهم فيها غاية أو نهاية.
استمر التواصل بين الصحفي والفنجري على فترات متباعدة، ثم انقطع لأسباب تخصه. الصحفي لم يكن يثق بكل ما يقوله، ولم يتعامل مع وعوده باعتبارها حقائق محسومة. لكنه ظل يكرر أنه يؤدي مهمة وطنية، وأن الأيام ستثبت له ذلك.
ثم مضت الأيام، وانشغلت عنه، ولم ألتفت إلى غيابه أو أتساءل عن مصيره. وقبل أسبوعين، فوجئ الصحفي بخبر انشقاق محمد ازرق الفنجري عن الدعم السريع وانضمامه إلى صفوف القوات المسلحة. عندها فقط، استعدت الصحفي تفاصيل تلك المكالمات القديمة، وعبارته المتكررة عن المهمة الوطنية التي كان يقول إنه يؤديها، وعن اليوم الذي سيتقنع فيه الصحفي بصدق ما يذهب إليه.
الصحفي لا يروي هذه الوقائع لأمنح الرجل صك براءة من كل ما قد يكون ارتكبه، ولا لأحكم على تجربته العسكرية والسياسية قبل أن تتضح تفاصيلها كاملة. لكنه يرويها لأن ما سمعه منه قبل انشقاقه يطرح أسئلة مهمة عن طبيعة الصراعات داخل الدعم السريع، وعن القادة الذين قد يكونون قد أدركوا مبكراً أن المشروع الذي انخرطوا فيه لا يمثل مصالح مجتمعاتهم، وأن الحرب التي يخوضونها ليست بالضرورة حربهم.
إذا كان لا بد من استدعاء نموذج “رأفت الهجان” في هذه القصة، فإن الصحفي يجد في تجربة محمد الفنجري ما يستحق التوقف عنده، لا لمجرد أنه انشق وانضم إلى القوات المسلحة، بل لأن حديثه معه سبق انشقاقه، ولأنه كان يعلن بوضوح موقف مناقض للمشروع الذي كان يعمل في داخله.
إن كان الفنجري قد أدى بالفعل أدوار استخبارية لصالح الدولة، كما قد توحي بعض تفاصيل تجربته، فإن ذلك يستحق التحقق والتوثيق والتقييم المؤسسي، بعيداً عن المبالغة أو الدعاية. فالدول تنهض بالقدرة على قراءة الخصوم، وفهم المجتمعات، واختراق المشاريع التي تستغل مظالم الناس لتوظيفهم في حروب الآخرين.
في بلد أنهكته الحرب، تظل الحقيقة الأهم أن أبناء الأقاليم المهمشة ليسوا وقود أبدي لصراعات السلطة، وأن حقوق المسيرية وسائر المجتمعات السودانية لا ينبغي أن تكون رهينة لوعود قادة المليشيات، ولا منة من الدولة المركزية، بل حقوق أصيلة في دولة عادلة تتسع لجميع أبنائها.









