لم تكن مسألة التنوع في السودان غائبة عن التجربة الدستورية، فقد عرفت الدساتير السودانية نصوصاً تناولت طبيعة المجتمع السوداني وتعدد مكوناته، وسعت إلى تنظيم العلاقة بين مستويات الحكم المختلفة، وتأكيد المساواة والمواطنة باعتبارهما من الأسس التي ترتكز عليها الدولة. ولذلك فإن التفكير في الدستور السوداني القادم لا ينبغي أن يبدأ من افتراض أن الاعتراف بالتنوع فكرة جديدة، وإنما من مراجعة التجربة السابقة، والبحث في أسباب عدم تحول المبادئ التي تضمنتها النصوص إلى ممارسة مؤسسية مستقرة قادرة على إدارة التنوع ومنع تحوله إلى مصدر للصراع السياسي والمسلح.
وقد قدم دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2005 معالجة واسعة لهذه المسألة. فقد نصت المادة (1) على أن السودان دولة ديمقراطية لا مركزية تتعدد فيها الثقافات واللغات والأعراق والأديان، وأكدت المادة (4/ج) أن التنوع الثقافي والاجتماعي للشعب السوداني هو أساس التماسك القومي، ولا يجوز استغلاله لإحداث الفرقة. كما جعلت المادة (7) المواطنة أساساً للحقوق والواجبات المتساوية للسودانيين، وأكدت المادة (8) احترام اللغات السودانية الأصلية وتطويرها وترقيتها، بينما نصت المادة (13/4) على اعتراف الدولة بالتنوع الثقافي وتشجيع الثقافات المتعددة على الازدهار والتعبير عن نفسها.
ولم يقتصر دستور 2005 على الاعتراف بالتنوع، بل حاول ترجمة ذلك إلى نظام للحكم من خلال توزيع السلطات بين مستويات متعددة. فقد حددت المادة (24) مستويات الحكم القومي، وحكومة جنوب السودان، والولايات، والحكم المحلي، بينما وضعت المادة (25) مبادئ لتخويل السلطات وتوزيعها، من بينها الاعتراف بذاتية الولايات، وإبراز وحدة الوطن مع تأكيد تنوع شعبه، ومشاركة السودانيين في مستويات الحكم المختلفة. كما تناولت المادة (185) مبادئ اقتسام الموارد والثروة المشتركة بما يمكّن مستويات الحكم المختلفة من أداء مسؤولياتها.
غير أن التجربة أظهرت أن النص الدستوري وحده لا يكفي لتحقيق الغاية التي يستهدفها. فوجود قواعد لتوزيع السلطة لا يمنع النزاع حولها ما لم تصاحبها مؤسسات قادرة على حماية الاختصاصات الدستورية، وضمان عدالة توزيع الموارد، وإتاحة المشاركة السياسية الفعلية، وحسم الخلافات بين مستويات الحكم وفق قواعد واضحة.
ومن هنا فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان الدستور قد اعترف بالتنوع، وإنما بمدى قدرة النظام الدستوري على تحويل هذا الاعتراف إلى ممارسة مستقرة.
وجاءت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019 في سياق مختلف، لكنها احتفظت بعدد من المبادئ ذات الصلة. فقد نصت المادة (4) على أن السودان دولة ديمقراطية برلمانية تعددية لا مركزية، وأن الحقوق والواجبات تحدد في إطار مبدأ المواطنة دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو الثقافة أو النوع أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي أو الرأي السياسي أو الانتماء الإقليمي أو غير ذلك. كما أكدت احترام الكرامة الإنسانية والتنوع والعدل والمساواة وحقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وأعطت المادة (8) لهذه المبادئ بعداً عملياً من خلال جعل تحقيق السلام ومعالجة جذور المشكلة السودانية وآثار الحرب من مهام المرحلة الانتقالية، مع مراعاة أوضاع المناطق المتأثرة بالحرب والمناطق الأقل نمواً والفئات الأكثر تضرراً. كما تناولت أحكام السلام الشامل قضايا التهميش والمواطنة المتساوية ونظام الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم وعدالة توزيع السلطة والثروة والتنمية.
ويكشف النظر في التجربتين أن الإشكال السوداني لم يكن في غياب المبادئ الدستورية وحدها، وإنما في الفجوة بين النص والممارسة والمؤسسة. فقد وضع دستور 2005 إطاراً واسعاً لتوزيع السلطة والموارد، وأكدت الوثيقة الدستورية المواطنة والتعدد واللامركزية، إلا أن هذه المبادئ لم تتحول إلى نظام مؤسسي مستقر يستطيع الصمود أمام الأزمات السياسية.
أما تعديلات الوثيقة الدستورية في سنة 2025، فقد أضافت أحكاماً ذات صلة بهذا السياق، من بينها المادة (6/ب)، التي قررت أن العربية والإنجليزية هما اللغتان الرسميتان لأعمال الحكومة، وأن العربية هي اللغة القومية الأوسع انتشاراً، وأن جميع اللغات السودانية لغات قومية يجب احترامها وتطويرها والاحتفاء بها بالتساوي. كما عدلت المادة (8) بإضافة مهام تتعلق بإنهاء الحرب وتقديم مرتكبي الجرائم إلى العدالة وإعادة إعمار ما دمرته الحرب. وتظل المادة (4) بما تقرره من المواطنة وعدم التمييز أساساً مهماً في قراءة هذه الأحكام.
ولا يمكن تناول التنوع في السودان دون التوقف عند اختزال المجتمع أحياناً في ثنائية «عرب وأفارقة» بما لا يعكس حقيقة تعدد مكوناته وتداخلها، وقد يؤدي هذا التصور إلى إضعاف مفهوم المواطنة عندما تتحول الهوية أساس لتحديد الحقوق أو موقع الفرد في الدولة، كما يمكن أن يسهم في بناء مراكز إثنية متنافرة بدلاً من بناء دولة يكون الانتماء إليها قائماً على المواطنة المتساوية.
ولا يعني ذلك إنكار الانتماءات الثقافية أو الإثنية أو اللغوية أو الإقليمية، فهي مكونات حقيقية في المجتمع السوداني ويجب أن تجد مكانها في الحماية الدستورية، وإنما ينبغي ألا تتحول هذه الانتماءات إلى بديل عن المواطنة أو إلى معيار لتوزيع الحقوق والسلطة. فالمواطنة هي الإطار الجامع، والاعتراف بالتنوع وسيلة لضمان مساواة حقيقية بين المواطنين، لا أداة لإعادة تقسيمهم إلى جماعات متنافسة.
وتزداد أهمية ذلك بعد الحرب التي بدأت في أبريل 2023، والتي كشفت، إلى جانب آثارها الإنسانية والأمنية والاقتصادية، عن هشاشة البناء المؤسسي للدولة وخطورة ارتباط إدارة الدولة بالأشخاص وموازين القوة بدلاً من القواعد والمؤسسات. ولذلك فإن الدستور القادم ينبغي ألا يكون مجرد وثيقة لتنظيم العلاقة بين السلطات، وإنما إطاراً لإعادة بناء الدولة على أساس سيادة القانون والمؤسسات والمساءلة، بحيث تكون الدولة أقوى من الأشخاص، والمؤسسات أقوى من الترتيبات السياسية المؤقتة.
ومن هنا، فإن صياغة الدستور القادم تحتاج إلى الاستفادة من خبرات متعددة، لا تقتصر على القانون والدستور، وإنما تشمل التاريخ وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والاقتصاد وغيرها من المجالات المرتبطة بطبيعة المجتمع السوداني. فإدارة التنوع ليست مسألة قانونية مجردة، وإنما تتصل بتاريخ المجتمع وبنيته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وبالعلاقة التي نشأت عبر التاريخ بين المركز والأقاليم. والاستفادة من هذه الخبرات تساعد في صياغة أحكام تستند إلى واقع السودان، وتوازن بين وحدة الدولة واحترام خصوصيات مكوناتها، دون أن يتحول التنوع إلى مدخل للانقسام أو تتحول الوحدة إلى ذريعة للمركزية.
وعلينا أن نستفيد من دروس الماضي ونراجع الفرص التي أُهدرت، لا لإعادة إنتاج الخلافات السابقة، وإنما لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. فالمساواة لا تتحقق بالنص عليها وحده، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تضمن تطبيقها، وتوزيع عادل للسلطة والموارد، وتمثيل سياسي حقيقي، وقضاء قادر على الفصل في المنازعات الدستورية وحماية الحقوق والحريات.
وبذلك يمكن أن تصبح تجربة السودان الدستورية السابقة، بما حققته وما أخفقت فيه، أساساً لبناء صيغة أكثر استقراراً لدولة ما بعد الحرب؛ دولة يكون فيها التنوع مصدر قوة، والمواطنة أساساً للحقوق، والمؤسسات ضمانة للوحدة، والقانون وسيلة لإدارة الاختلاف وصناعة المستقبل.









