Home / سياسة / التحالف الدفاعي للبحر الأحمر ينتقل إلى مرحلة الجاهزية العملياتية.

التحالف الدفاعي للبحر الأحمر ينتقل إلى مرحلة الجاهزية العملياتية.

التحالف الدفاعي للبحر الأحمر ينتقل إلى مرحلة الجاهزية العملياتية.

لم يعد التحالف الدفاعي للبحر الأحمر مجرد فكرة يجري اختبارها على الورق. عقد التحالف في جدة بالمملكة العربية السعودية، اجتماعه الرابع للتخطيط، بحضور ممثلين عن 41 دولة، ومشاركة 154 من قادة القوات البحرية والمخططين والسفراء وممثلي الاتحاد الأوروبي. هذه الخطوة الجديدة تنتقل معها المشروع من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الجاهزية العملياتية.

الأهم من ذلك أن التحالف وصل إلى ما يعرف بـ«القدرة التشغيلية الأولية» (IOC)، وهي المرحلة التي يبدأ عندها الانتقال من بناء الإطار المؤسسي إلى دمج القدرات والاستعداد لتنفيذ المهام وتهيئة وجود فعلي في منطقة المسؤولية البحرية. ويضم التحالف حالياً 28 ضابط ارتباط، فيما تعمل الدول المشاركة على دمج قدراتها وإعدادها للعمل ضمن منظومة دفاعية متعددة الجنسيات.

قد تبدو هذه الأرقام إدارية للوهلة الأولى، لكنها تختصر مساراً كاملاً: 41 دولة حول طاولة واحدة، و154 مشاركاً من المؤسسات العسكرية والدبلوماسية، و28 ضابط ارتباط بدأوا في بناء شبكة الاتصال التي يحتاجها أي عمل متعدد الجنسيات. التحالفات لا تولد مكتملة، وإنما تبنيها الدول عبر الاجتماعات والتخطيط وتبادل الخبرات واختبار آليات القيادة والاتصال، قبل أن تنتقل إلى البحر. وما يجري في جدة الآن هو أن الخبرات التي تمتلكها الدول المشاركة كل على حدة تبدأ في التحول إلى قدرة مشتركة.

بدأ التحالف مساره في يوليو الماضي، ثم استكملت السعودية خلال أغسطس ترتيبات القيادة والهيكل التنظيمي، قبل أن يبدأ العمل من مقره في جدة مع وجود ضباط الارتباط. ومع اجتماع سبتمبر، أصبح الانتقال إلى القيادة الموحدة والانتشار والمهام الفعلية جزءاً من المسار المعلن للتحالف.

أي أن الطريق أصبح أكثر وضوحاً: تأسيس، ثم بناء قيادة، ثم ربط الدول بضباط اتصال، ثم دمج القدرات، ثم قيادة موحدة، وصولاً إلى الانتشار والبدء في المهام. وهذا هو المعنى الأهم لاجتماع جدة الرابع فالحديث لم يعد عن الحاجة إلى تحالف لحماية البحر الأحمر، وإنما عن كيفية جعل هذا التحالف يعمل.

تتجه المرحلة المقبلة، وفق ما أعلنت وزارة الدفاع السعودية، إلى إعداد القدرات للعمل تحت قيادة موحدة، تمهيداً لنشرها وبدء مهامها داخل منطقة مسؤولية التحالف، مع دعم حرية الملاحة وسلامة الممرات البحرية من خلال تكامل القدرات وتبادل المعلومات والاستجابة المنسقة للتهديدات.

أظهرت الصور التي نشرتها وزارة الدفاع السعودية جانباً من اتساع التمثيل العسكري في الاجتماع، مع ظهور ممثلين للقوات المسلحة في الولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا، إلى جانب الأردن وسلطنة عُمان وجيبوتي والسودان. مثّل السودان اللواء بحري ركن صلاح أبوحسبو، قائد قاعدة بورتسودان البحرية، في حضور يأتي ضمن خبرة بحرية سودانية متراكمة ومشاركة في تدريبات ومناورات بحرية مشتركة مع السعودية ومصر ودول البحر الأحمر، بينها تدريبات «الموج الأحمر».

لذلك فإن وجود السودان في هذا المسار لا يبدأ من الصفر؛ فبورتسودان تقع على أحد أهم أجزاء الساحل الغربي للبحر الأحمر، والبحرية السودانية راكمت على مدى عقود خبرة في البيئة البحرية للممر، إلى جانب التعاون والتدريب المشترك مع البحريات الإقليمية.

السعودية بدأت هذا المسار من إدراك مباشر لحساسية البحر الأحمر بالنسبة لأمنها ومصالحها، لكن الفكرة أخذت خلال أسابيع شكلاً يتجاوز الحسابات الوطنية. فأمن هذا البحر لا يمكن أن يبقى مسؤولية دولة واحدة، ولا حتى مجموعة الدول المطلة عليه، لأن الممر يرتبط بالتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد التي تصل الشرق بالغرب. وبذلك تتحول حماية الممر تدريجياً من شأن سعودي ودول البحر الأحمر إلى شأن دولي.

هذا التحول مهم لأن طبيعة التهديد نفسها تغيرت. فالمخاطر التي تواجه الملاحة لا تتوقف عند حدود المياه الإقليمية، والهجمات على السفن يمكن أن تكون نتيجتها اضطراباً في التجارة الدولية قبل أن تكون مشكلة أمنية لدولة بعينها. لذلك فإن قيمة التحالف لن تكون في عدد السفن التي يستطيع جمعها فقط، وإنما في قدرته على بناء صورة مشتركة للموقف البحري، وتبادل المعلومات، وربط قدرات الدول المختلفة في منظومة واحدة تستطيع التحرك في الوقت المناسب.

المشاركة الأميركية في هذا الإطار تضع واشنطن ضمن منظومة أوسع للأمن البحري، في وقت تظل فيه حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب جزءاً من الحسابات الإقليمية والدولية المرتبطة بأمن الممرات البحرية. والأمن البحري الحديث لا يبدأ عندما تصل القذيفة إلى السفينة، وإنما يبدأ من المعلومة: أين يوجد التهديد؟ من أين جاء؟ وكيف يمكن التعامل معه قبل أن يتحول إلى حادث بحري؟

جدة يمكن أن تتحول إلى نقطة التقاء بين المعلومات والقدرات والقرار، بينما يتحول الوجود البحري في الممر إلى الذراع التنفيذية لمنظومة أوسع. كما يفتح تبادل المعلومات بين دول التحالف، ولا سيما الدول المطلة على البحر الأحمر، إطاراً أوسع لأي عمليات مستقبلية تستهدف تأمين الممر ومصادر التهديد فيه، بما يساعد على منع إعادة إنتاج التهديد للمضيق، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل معه بعد كل هجوم جديد على السفن.

مشاركة دول المنطقة ذات أهمية عملية. فالدول المطلة على البحر الأحمر تمتلك معرفة مباشرة بجغرافيته وممراته وموانئه وبيئته الأمنية، بينما تضيف الدول الأخرى خبرات وقدرات بحرية واستخبارية وتقنية مختلفة. وعندما تجتمع هذه الخبرات في إطار واحد، فإنها لا تلغي خصوصية كل دولة، وإنما تجعل ما تمتلكه كل دولة جزءاً من صورة أكبر وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي يبدأ الآن.

الانتقال من «القدرة التشغيلية الأولية» إلى القدرة العملياتية الكاملة يحتاج إلى قيادة تعمل، وقدرات تصل إلى البحر، ومعلومات تتحول إلى قرارات، وقرارات تتحول إلى وجود فعلي قادر على حماية الملاحة. وهنا يصبح الرقم 28 أكثر من مجرد عدد لضباط ارتباط. إنه جزء من البنية التي يفترض أن تجعل 41 دولة قادرة على التواصل والعمل كمنظومة واحدة.

أمضت جدة الأسابيع الماضية في بناء الهيكل. والمرحلة المقبلة هي اختبار هذا الهيكل في البحر. الخبرات كانت موجودة لدى الدول المشاركة، والقدرات كانت موزعة بينها، لكن الجديد هو محاولة جمعها في منظومة واحدة. ومن جدة يبدأ الاختبار الحقيقي: هل تستطيع هذه المنظومة أن تجعل أمن البحر الأحمر عملاً جماعياً مستمراً، لا مجرد استجابة مؤقتة لكل أزمة؟ 41 دولة و28 ضابط ارتباط تعني أن البناء قطع شوطاً مهماً. أما البحر، فهو وحده الذي سيكشف إن كان هذا البناء قد أصبح قدرة.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *