عبّر السيد مني أركو مناوي عن معارضته ورفضه القاطع للحوار السوداني ـ السوداني والتحضيرات الجارية لعقده. وذكر السيد مناوي السبب الرئيسي لهذا الرفض، قائلاً إن «الحوار السياسي ليس من اختصاص الشخصيات المستقلة. التنظيمات السياسية فقط هي صاحبة الاختصاص في طرح وإدارة أي حوار».
يُذكر أن تاريخ السياسة الحديث، في العالمين الغربي والشرقي على السواء، يشهد أمثلة كثيرة لرجال ونساء وأكاديميين ومهنيين ومثقفين وشخصيات مستقلة، لم يكونوا أطرافاً سياسية رسمية، نجحوا في فتح قنوات للحوار وفي تهيئة الأرض لتسويات سياسية كبرى، وإنهاء حروب وصراعات مستعصية.
على سبيل المثال، مؤتمر دارتموث الذي بدأ عام 1957، في ذروة الحرب الباردة، بمبادرة من علماء وأكاديميين أمريكيين وسوفييت، لم يكن مؤتمراً رسمياً بين الحكومتين، بل قناة غير رسمية أتاحت لعلماء ومفكرين من المعسكرين المتخاصمين أن يجلسوا معاً ويتحاوروا حول أخطر قضايا الحرب والسلام.
كما حركة بوغواش التي جمعت علماء ومفكرين مستقلين من دول مختلفة من المعسكرين الغربي والشرقي لمناقشة مخاطر الحرب النووية وسباق التسلح، واستطاعت أن تخلق جسراً للحوار وأن تحمل أفكارها ومقترحاتها إلى دوائر صنع القرار، وقد مُنحت حركة بوغواش للعلوم والشؤون العالمية جائزة نوبل للسلام عام 1995، تقديراً لجهودها في الحد من خطر الحرب النووية.
كما أن «حوار داكار» عام 1987، الذي اجتمع فيه مجموعة من المثقفين والأكاديميين والمهنيين ورجال الأعمال والكتاب من البيض الجنوب أفريقيين مع قيادات المؤتمر الوطني الأفريقي المحظور آنذاك، نظمته مؤسسة «المبادرة الديمقراطية البديلة لجنوب أفريقيا» (IDASA)، شارك فيه الجانب غير المنتمي إلى المؤتمر الوطني الأفريقي بصفته الشخصية، لا ممثلاً رسمياً لأي حزب أو حكومة، وانتهى إلى توافقات مهمة بشأن إمكان الانتقال إلى نظام ديمقراطي غير عنصري، وكان ذلك الحوار من المحطات التي أسهمت بصورة مباشرة في فتح الطريق أمام إنهاء نظام الأبرتهايد.
كما أن المسار الذي أفضى إلى اتفاقات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، بدأ عبر قنوات غير رسمية وبمشاركة أكاديميين وباحثين ووسطاء من خارج الأطر الحكومية.
وفي أفريقيا، لعبت الكنائس والمنظمات الدينية والمدنية والشخصيات المستقلة أدواراً بارزة في فتح قنوات للحوار والوساطة في عدد من النزاعات، ومن أشهر الأمثلة تجربة جماعة سانت إيجيديو في موزمبيق، وهي جماعة مدنية ذات طابع ديني، نجحت في جمع الحكومة وحركة رينامو وفتح مسار مفاوضات استمرت أكثر من عامين وانتهت بتوقيع اتفاق السلام الذي أنهى الحرب الأهلية هناك.
وفي السودان نفسه، كان للحوار الذي قاده رجل الاعمال المستقل فتح الرحمن البشير، دور بارز في نزع فتيل التوتر واحتمالات تكرار الاقتتال بين الجيش والمجموعات المسلحة التابعة للجبهة الوطنية التي كانت مرابطة في ليبيا واثيوبيا، ونتيجة له عاد قادة الجبهة الوطنية بقيادة الصادق المهدي إلى البلاد ومشاركتها في الحكم.
إذن، ليس صحيحاً منطقاً ولا تاريخاً ولا ممارسةً، أن الحوار السياسي حكرٌ على التنظيمات والأحزاب السياسية، بل التاريخ السياسي يشهد على أن النجاح لا يشترط دائماً أن يبدأ من داخل المؤسسات السياسية.
الاعتراض على الحوار السوداني ـ السوداني يمكن أن يكون موضوعاً مشروعاً للنقاش، ويمكن لمناوي أو غيره أن يرفض المشاركة فيه أو أن يعترض على أجندته أو أطرافه أو توقيته، ولكن القول بأن مجرد كون القائمين عليه «شخصيات مستقلة» يسلبهم حق المبادرة إلى الحوار أو تنظيمه، فهذه دعوى لا يسندها تاريخ السياسة ولا تجارب الشعوب في إدارة النزاعات وحلها.









