تتطلب مرحلة ما بعد الحرب في السودان، ولتجنب الإفلات من العقاب، مواءمة القوانين الوطنية لضمان تعامل فعّال مع إرث الانتهاكات. ولمعالجة انتهاكات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان المستمرة، يجب البدء فوراً في مراجعة وتعديل البنية التشريعية الوطنية، وليس الانتظار حتى انتهاء العمليات العسكرية.
يشمل الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب تهيئة منظومة عدالة قادرة على التعامل مع الانتهاكات، وضمان حق الضحايا في العدالة والإنصاف. وتشدد الحاجة إلى توافق التشريعات الوطنية مع قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي لتمكين القضاء الوطني من الاضطلاع باختصاصه، وتجنب أن تصبح الثغرات التشريعية عائقاً أمام تحقيق العدالة.
يتمسك السودان باتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين، ما يفرض عليه اتخاذ التدابير التشريعية اللازمة لضمان احترام القانون الدولي الإنساني ومساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة. وتكتسب هذه الالتزامات أهمية خاصة في السودان، حيث يوفر تطوير التشريع الوطني الأساس القانوني لمواجهة الجرائم ارتكبت أثناء النزاع.
لم يكن المشرع السوداني بعيداً عن هذا الاتجاه، حيث أدرجت أحكام تتعلق بالجرائم الدولية في القانون الجنائي لسنة 1991 (بعد تعديلات عام 2009)، مثل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. لكن، لا يكفي إدراج هذه الجرائم، بل تتطلب مراجعة دقيقة للتأكد من اتساق عناصر الجرائم وعقوباتها وقواعد المسؤولية مع الالتزامات الدولية، وإزالة أي قصور أو تعارض أو شروط إضافية قد تعرقل الملاحقة الجنائية.
تستوجب المراجعة التشريعية تعريف جريمة الإبادة الجماعية، حيث قد يؤدي شروط القانون الوطني الحالي، مثل ارتكاب الفعل «في سياق سلوك منهجي واسع»، إلى الخلط مع الجرائم ضد الإنسانية. ولتجنب ذلك، ضروري مراجعة النص بما يضمن توافق مفهوم الإبادة الجماعية الوطني مع التعريف الدولي (مثلما في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها)، الذي يعتمد على أفعال محددة بقصد تدمير جماعة، دون جعل السلوك واسع النطاق عنصراً مستقلاً. وإزالة هذا الشرط أو إعادة صياغته يقلل عبء الإثبات ويعزز الملاحقة الجنائية.
كما تستوجب المواءمة تطوير النصوص المتعلقة بالجرائم الجنسية والتعذيب، لاسيما في سياق النزاعات المسلحة. فالاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، والتعذيب، يمكن أن تشكل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. ولتعزيز الحماية الجنائية، يجب تجريم هذه الأفعال بوضوح، وتشديد المسؤولية عنها عند ارتكابها في إطار هجوم واسع النطاق أو في سياق نزاع مسلح، لضمان عدم التعامل معها كجرائم فردية معزولة. وإدراج التعذيب كجريمة مستقلة واضحة أيضاً ضروري.
وتستوجب المراجعة أيضاً الصياغات المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية في قانون القوات المسلحة لسنة 2007، لضمان اتساقها مع المعيار الدولي الذي يربط الجرائم بوقوع هجوم واسع النطاق أو منهجي، وليس بالضرورة بالواو. فالاختلاف بين «الواو» و«أو» يمكن أن يكون له آثار قانونية مباشرة على عناصر الجريمة وعبء الإثبات ونطاق المسؤولية. ولذلك، ضروري مراجعة النص الوطني لضمان عدم تضييق غير مبرر لنطاق التجريم، بما يوفر حماية وطنية لا تقل عن المعايير الدولية.
وتعتبر مسألة التقادم ثغرة خطيرة، حيث لم تدرج الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني ضمن الاستثناءات من التقادم في القانون السوداني بصورة صريحة وشاملة، رغم بعض التعديلات. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل طبيعة النزاع وما يصاحبه من صعوبات في الوصول والتحقيق. ولمنع الإفلات من العقاب، يجب النص صراحة على عدم سريان التقادم على جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، بما يتوافق مع الاتجاهات الدولية، وإن كان السودان ليس طرفاً في نظام روما الأساسي.
لا تقتصر المواءمة على تعديل النصوص الموضوعية، بل يجب أن تمتد إلى منظومة العدالة الجنائية بأكملها، بما في ذلك التحقيق والنيابة والقضاء وتنفيذ الأحكام. فوجود النص وحده لا يكفي إذا لم تتوافر مؤسسات قادرة على تطبيقه بصورة مستقلة وفعالة، وأجهزة تحقيق مؤهلة، وأعضاء نيابة وقضاة متخصصين في القانون الدولي. كما تتطلب المرحلة تطوير آليات لحماية الشهود والضحايا وحفظ الأدلة، وتنمية وسائل التحقيق في مناطق النزاع.
إن تعزيز الاختصاص الوطني لا يتعارض مع القانون الجنائي الدولي، بل يمثل أساساً له، حيث يعتمد نظام روما مبدأ التكاملية الذي يمنح القضاء الوطني الأولوية. وبناء قضاء وطني قادر ومستقل ومواءمة التشريعات مع المعايير الدولية تعبير عن سيادة القانون وحق الدولة في ممارسة ولايتها القضائية وحق الضحايا في الوصول إلى العدالة.
لذلك، مواءمة القوانين الوطنية ليست مهمة مؤجلة، بل جزء أساسي من الاستعداد القانوني لمرحلة السلام والعدالة. فكلما بدأ إصلاح التشريعات والمؤسسات مبكراً، زادت قدرة الدولة على حفظ الأدلة، وملاحقة مرتكبي الجرائم، وإنصاف الضحايا، واستعادة الثقة في العدالة. وترك الثغرات التشريعية دون معالجة قد يؤدي إلى إطالة أمد الإفلات من العقاب ويقوض فرص السلام المستدام.
وتجدر الإشارة إلى أن استكمال البنية التشريعية الوطنية، ومواءمتها مع اتفاقيات جنيف واتفاقية الإبادة الجماعية وغيرها من قواعد القانون الدولي، والاستفادة من معايير القانون الجنائي الدولي، يجب أن يكون جزءاً أصيلاً من مشروع بناء الدولة السودانية بعد الحرب، لتمكين القضاء الوطني من أداء دوره في تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم بأخطر الأشكال، دون حصانة أو إفلات من العقاب.









