تشكل حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة حجر الزاوية في منظومة القانون الدولي الإنساني، لا سيما في النزاعات المسلحة غير الدولية. أرست المادة (3) المشتركة من اتفاقيات جنيف، إلى جانب المواد (4–6) من البروتوكول الإضافي الثاني، والقواعد (78–88) من القانون الدولي الإنساني العرفي، إطاراً قانونياً يفرض معاملة إنسانية للمحتجزين، ويحظر الاعتداء على حياتهم وسلامتهم البدنية والنفسية، ويجرم التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة، أياً كانت صفة الجهة القائمة بالاحتجاز.
المحتجزون من المدنيين في قبضة الخصم يظلون في وضع ضعف يستوجب الحماية، ويُعد أي انتهاك لحقوقهم الأساسية خروجاً صريحاً على قواعد آمرة في القانون الدولي. في هذا السياق، تبرز مأساة سجن شالا بمدينة الفاشر كواحدة من أكثر الصور قتامة لانهيار الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني. منذ سيطرة قوات الدعم السريع على السجن في أكتوبر 2025، تحول هذا المرفق إلى مركز واسع النطاق لاحتجاز آلاف المدنيين في ظروف بالغة القسوة، حيث تشير التقارير الميدانية إلى وجود أكثر من تسعة آلاف محتجز، غالبيتهم من المدنيين، بينهم جرحى دون توفر أدنى مقومات الرعاية أو الحماية.
ما يجري داخل سجن شالا يعكس نمطاً ممنهجاً من الانتهاكات الجسيمة، تشمل الحرمان من الرعاية الصحية، وانتشار الأوبئة، ونقص الغذاء والمياه، وهي ظروف ترقى إلى معاملة لا إنسانية ومهينة، محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني. كما أن التقارير تشير إلى وقوع حالات وفاة نتيجة الإهمال الصحي وسوء الأوضاع المعيشية، وهو انتهاك مباشر للحق في الحياة.
ويتمدد الأمر إلى ممارسات أكثر خطورة، من بينها التعذيب المنهجي للمحتجزين، وهو سلوك محظور بصورة مطلقة. كما أوردت التقارير بشأن إجبار بعض المحتجزين على دفن الموتى داخل السجن في ظروف غير إنسانية، وهو سلوك ينطوي على امتهان لكرامة الإنسان، ويشكل انتهاكاً مركباً لقواعد الحماية.
تلك الانتهاكات لا تعفي مرتكبيها من المسؤولية، إذ أن قواعد القانون الدولي الإنساني تلزم جميع أطراف النزاع، بما في ذلك القوات المسلحة المتمردة، بحد أدنى من المعايير الإنسانية. لكن المأساة تمتد إلى حالة الصمت أو العجز الدولي رغم توثيق هذه الجرائم في تقارير دولية متعددة، مما يطرح تساؤلات حول جدوى النظام القانوني الدولي في حماية المدنيين.
ما يحدث في سجن شالا يستدعي تحركاً عاجلاً من المجتمع الدولي، ليس فقط الإدانة، بل تفعيل آليات المساءلة الدولية، وضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب، سواء عبر الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان، أو من خلال الاختصاص الجنائي الدولي.
وتبقى معاناة المدنيين المحتجزين في سجن شالا شاهداً مؤلماً على الفجوة بين القواعد القانونية والواقع العملي، وتذكيراً بأن حماية الإنسان في زمن الحرب مسؤولية أخلاقية وإنسانية لا يجوز التهاون فيها. يصبح الصمت شراكة، والتقاعس خذلاناً، ويغدو إنفاذ القانون الدولي الإنساني واجباً لا يحتمل التأجيل.









