من الخطوط الأمامية في الخنادق، كتب المجاهد عباس خالد رسالة، يقول فيها إن الليلة هادئة بشكل محير، حيث صمتت المدافع وكأن الحرب نفسها تأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تبتلع المزيد منهم. يكتب لهم تحت ضوء خافت في أحد خنادق الرباط، بينما السماء كانت ممتلئة بالنار المتقاطعة والمكتومة. يلاحظ أن الإنسان يعتاد على الجوع والبرد، وحتى رائحة وصوت الموت، لكن القلب لا يعتاد الغياب ولا الوحشة مهما ادعى القوة. في هذا الصمت المحير، تذكر ضحكاتهم حول صينية العشاء القديمة، واكتشف أن أعظم أحلام الإنسان ليست المجد والشهرة، بل الطمأنينة.
كانت هذه الرسالة لابد أن تكتب، على الرغم من أن الكلمات تبقى قوالب ميتة حتى نموت من أجلها وتعيش بين الناس. يطلب منهم التمعن فيها جيدًا، وربما يكون بعدها في مكان لا تصل إليه أصوات البشر. يوضح أنهم خرجوا في هذه المعركة ليس لرغبة في القتال لنفسه أو من أجل عصبية أو جاه، بل لأن تكليف الله لهم يسبق أمنيات الأرض. إنهم يقفون على ثغر من ثغور الإسلام، يصدون زحفًا وعدوانًا لمليشيات الغدر المدعومة من شتات الأرض وقوى الاستكبار الخارجي، في حرب دبرت ومولت لتتجاوز قدرة الدولة وهياكلها، فسقط الرهان كاملاً على عاتقهم أبناء هذا التراب. إنها مهمة ومسؤولية تاريخية وتكليف رباني لا يقبل فيه التراجع أو الاستقالة.
يطرح سؤالًا حول كيف ننام وأعراض المسلمين ودماء المستضعفين تُستباح في كردفان ودارفور والنيل الأزرق. يؤكد أن الأوطان لا تحررها الخطب، بل الدماء التي تُراق رخيصةً في سبيل الله والمستضعفين، وأن الإسلام ليس صلاة في زاوية معزولة، بل هو وقوف في وجه الظلم، وأن الجيل الذي لا يدفع ضريبة الدم سيعيش طيلة عمره يدفع ضريبة الذل.
يوجه رسالة لأبيه، موضحًا أنه كان يريد منه أن يكبر بهدوء، وأنه كان يريد أن يبني بيتًا وأفتح متجرًا صغيرًا قرب دارهم، لكن البلاد غرقت في بحر من الخيانات، والأعراض باتت تُستباح، فلم يكن في قلبه متسعًا لحياة عادية مسالمة وادعة بينما كل شيء ينهار من حوله. يطلب من أبيه أن يسامحه لأنه اختار الطريق الذي يُتعبه، وأنه ولد ابنًا لا يستطيع أن يبقى آمنًا إلى جواره حين تنادي مآذن المساجد.
يرسل رسالة لأمه، يصف الشوق إليها في هذه الليالي، ويذكر كيف رأى أصدقائه يُدفنون بلا قبر، والحرب قاسية لدرجة أنها لا تمنحهم وقتًا كافيًا للحزن. يذكر كيف رأى أحد المجاهدين يبكي بصمت شديد، وحين سأله قال: “تذكرتُ ابني وهو يتعلم المشي”. ويذكر شابًا يحتضر منذ ساعتين، لا يطلب طبيبًا ولا ماءً ولا نجدة، فقط يردد اسم أمه، ويقبض على زناده. يذكر كيف أن الإنسان يعود في لحظته الأخيرة طفلًا يبحث عن صدر آمن.
يوجه رسالة لأخوته، يعتذر لهم، ويقول إنهم لم يكونوا يحبون القتل يومًا، ولم يكونوا هواة دماء أو دعاة هدم، لكنهم وُضعوا في زمن صار فيه البقاء نفسه معركة، وصار الدفاع عن الدين والعرض والوطن فريضة عين ووقت لا تسقط. يطلب منهم أن يكونوا دائمًا أحرارًا، وقادرين على الشعور بالظلم الواقع على أي إنسان في أي مكان، فهذا هو جوهر إيمانهم.
يوجه رسالة لفاطمة، أختهم الحبيبة، ويقول إن كل ما يخشاه في رحيله ليس الرصاص، بل أن تعود إلى غرفته بعد أعوام، وتجدي ثيابه كما تركها، وتبكي. يطلب منها أن تخبر أطفالها غدًا أن الحرب لم تكن بطولةً لامعةً كما تُغنى في الأغاني والأناشيد، بل كانت بردًا وجوعًا ووجوهًا متعبة ورسائل تُكتب على عجل لأن أصحابها لا يضمنون طلوع الصباح.
يرسل رسالة لزوجته المستقبلية، ويقول إنه عندما يقترب الموت يصبح الإنسان صادقًا بطريقة عجيبة. يريد أن يعترف لها بأنه كان يتظاهر بالقوة طوال الوقت، وأنه كان يخاف في كل معركة، وأنه كان يشتاق إليها، لكن شوقه للشهادة أكبر. لا يطلب منها أن تنتظره طويلًا على الباب إذا طال الغياب وانتهت الحرب، فالمجاهدين الذين يعودون من المعارك ليسوا دائمًا هم الأشخاص أنفسهم، الحرب تأكل شيئًا من أرواحهم حتى لو أبقت أجسادهم حيّة. لكن إن كُتبت له الشهادة في هذه المعركة، فإن آخر نبضة في قلبه، بعد حب الله ورسوله، كانت لـها.
يرسل رسالة لطفلته، في رحم الغيب، ويقول إنه عندما تكبر سيقولون لها إن أباك كان مقاتلًا بطلاً لا يهاب شيئًا ولا يُشق له غبار، لكنها لا تقتدي بما يعظمونه، بل تخبريهم فقط أن أباك كان رجلًا خائفًا، خائفًا على دينك وعرضك ومستقبلك، لكنه حاول قدر استطاعته ألا يهرب، لأنه أراد لك ولأبناء المسلمين وطنًا طاهرًا، لا غابةً تحكمها وحوش مليشيات الجنجويد.
يوجه رسالة لأهله وعزوته، ويقول إنه إذا عد في يوم ما، سيزرع شجرة في فناء بيتهم، تتفيأون ظلها ونبدأ من جديد. وإذا لم يعد، فازرعوها أنتم، يريد شيئًا يشبهه، أخضرًا وحياً، يبقى واقفًا شامخًا بعد كل هذا الخراب. إذا سقط مقبلاً غير مدبر، فلا يجعلوا صورته معلقة بالحزن وحده. يطلب منهم أن يتذكروا أنه ضحك كثيرًا، وأحب الحياة كثيرًا معهم، لكن بعض الأزمنة تضع الإنسان أمام خيارات ومسؤوليات لا تشبه أمنياتهم في شيء، والدين غالي يحتاج إلى مهج تُبذل.
إنهم أبناء عقيدة لا تقبل الانكسار، إنهم لا يستسلمون أبدًا؛ إنهم ينتصرون، أو يمضون إلى الله شهداء. لا تبكوا عليهم إن رحلوا، بل ابكوا دمًا إن ضاعت البلاد.









