عائلات بأكملها وصلت تباعاً إلى الرصيف البحري، تحمل ما استطاعت حمله على عجل، وتبحث عن مساحة صغيرة تقيها قسوة الانتظار.
في الوجوه حكايات تعب لا تخطئها العين، نظرات شاردة، وملامح أنهكتها الرحلات المتكررة بين نزوح وآخر، وخوف واضح في عيون الأطفال، وقلق لا يفارق الكبار الذين باتوا يتساءلون إلى أين سيذهبون هذه المرة.
وبين كل حديث وآخر، ترتفع نبرة النقمة على من أوصلهم إلى هذه الحال، وعلى حرب يقولون إنهم يدفعون ثمنها وحدهم فيما يغيب من تسببوا بها عن مشهد المعاناة اليومية.
تحت شمس حارقة، افترش النازحون الأرصفة والرمال مجدداً، لكن هذه المرة بدا اليأس أكثر ثقلاً. لم يعد النزوح حدثاً استثنائياً بالنسبة إليهم، بل واقعاً يتكرر كلما دوّى إنذار أو تصاعدت المخاوف من ضربة جديدة.
يقول أحمد هاشم: “يئسنا، العالم لم تعد تحتمل. أنا في مكان وأولادي في مكان آخر. هم الآن في البقاع، وأنا خرجت من الضاحية مع إخوتي وزوجتي على عجل خشية مما هو آتٍ. لم نعد نحتمل”.
ويوجه هاشم رسالة عاتبة إلى من يعتبرهم مسؤولين عما جرى، من دون أن يسميهم، قائلاً: “للذين عملوا هذه الحرب، اطمئنوا علينا، اسألوا عنا”.
أما نهاد، وهي أم لشاب وفتاة كانت تجلس إلى جانبهما على رصيف كورنيش عين المريسة، فتقول: “هنا نفترش الطرق، وفي الضاحية أيضاً. هناك لم يعد لدينا منزل. من طريق إلى طريق نتنقل، لا عمل ولا طعام ولا شراب. ننتظر فاعل خير يمر على الكورنيش ليزودنا بشربة ماء”.
وتضيف: “أعمل في تنظيف المنازل. عدت إلى الضاحية بعدما شعرت أن فرص العمل في بيروت أصبحت معدومة بالنسبة لي. لا أحد يسأل عنا. افتعلوا هذه الحرب ورمونا في الشوارع وكأن شيئاً لا يعنيهم”.
وتقاطعها مريم، رافضة الظهور أمام الكاميرا، لتقول: “لسنا فداءً لأحد. هذا الكلام لم يعد ينفع. في ظل غياب من يسأل عنا، لم يعد يفيدنا شيء”.
أما علي، وهو شاب في العشرينات من عمره، فيختصر معاناة كثيرين بقوله: “يئسنا من الترحال. الساعة الآن الخامسة عصراً ولم نجد مأوى. بالنسبة لي أنام هنا على الرصيف، لكني أحاول أن أجد مكاناً لأمي وشقيقتي”.
ويجلس أبو حسن، وهو رجل ستيني، على حافة الرصيف واضقاً رأسه بين يديه، قائلاً: “منذ أشهر ونحن ننتقل من مكان إلى آخر. في كل مرة نقول إنها الأخيرة، ثم نجد أنفسنا نحزم ما تبقى من أغراضنا ونغادر من جديد. لم يعد لدينا بيت نشعر أنه بيت، ولا مكان نشعر فيه بالأمان. أصبحنا نعيش على وقع الإنذارات والخوف. من قرر هذه الحرب هل يفكر بنا؟ هل يعرف ماذا يعني أن ينام الإنسان وهو لا يعلم أين سيستيقظ غداً”.
ويتابع بصوت متعب: “لم نعد نطلب تعويضات ولا مساعدات كبيرة، نريد فقط أن نتوقف عن النزوح وأن نعيش مثل بقية الناس”.
أما أم محمد، التي كانت تحاول تهدئة حفيدتها الصغيرة، فتقول: “أصعب ما في الأمر ليس الجوع أو التعب، بل شعورك بأنك متروك لمصيرك. الأطفال يسألوننا كل يوم متى سنعود إلى المنزل، ولا نملك جواباً. أصبحنا نخاف من أي اتصال أو خبر عاجل أو إشاعة، لأن كل ذلك قد يعني رحلة نزوح جديدة”.
وتضيف بنبرة يختلط فيها الحزن بالغضب: “قالوا لنا اصبروا فضحّينا وصبرنا، لكن إلى متى؟ الناس تعبت. هناك من فقد منزله، وهناك من فقد عمله، وهناك من فقد الأمل نفسه. نشعر أن الجميع يتحدث عنا، لكن قلة فقط تسأل كيف نعيش فعلاً”.
وفي زاوية أخرى من الكورنيش، يقف شاب ثلاثيني يتابع حركة الوافدين الجدد إلى الرصيف، ويقول: “المؤلم أن مشهد النزوح أصبح عادياً. لم يعد أحد يستغرب رؤية عائلات تنام في الحدائق أو على الأرصفة. كأن المطلوب منا أن نتأقلم مع الخسارة والخوف والتشرد. لكن الحقيقة أن الناس من الداخل تنهار، والغضب يكبر يوماً بعد يوم على كل من ساهم في إيصالنا إلى هذه المرحلة”.
عائلات نازحة تنتظر مصيرها على الرصيف البحري بعد نزوح جديد









