الطالب سعد الدين صلاح كوكو محمد، الذي حقق نسبة 83% في امتحانات الشهادة السودانية، اضطر إلى العمل في غسيل السيارات لمساعدة أسرته وتوفير احتياجاته الدراسية. هذه القصة تبرز في وقت أثقلت فيه الحرب كاهل الأسر وتراجعت فيه فرص التعليم أمام كثير من الطلاب، لكنها تؤكد أن الطموح لا يحده الظروف، وأن الإرادة قادرة على صناعة طريقها وسط أصعب التحديات.
سعد، الذي نشأ في أمبدة وترجع أصول أسرته إلى جنوب كردفان، لم تكن رحلته نحو الشهادة السودانية مفروشة بالسهولة؛ فقد جمع بين مقاعد الدراسة ومشقة العمل، وكان يبدأ يومه مبكراً في المدرسة، ثم يتوجه بعد انتهاء الدوام إلى عمله، ليعود إلى منزله في ساعات متأخرة من الليل. وبين ضيق الحال، وظروف الحرب، ومسؤوليات الأسرة، ظل حلمه حاضراً: أن يواصل تعليمه ويصبح مهندساً، محققاً أمنية والديه.
كيف استطعت أن توفق بين الدراسة والعمل؟
لم يكن الأمر سهلاً، لكنني كنت حريصاً على مواصلة تعليمي وتحقيق حلمي. كنت أذهب إلى المدرسة في الصباح الباكر، وبعد انتهاء اليوم الدراسي أتوجه إلى العمل في غسيل السيارات، وأعود إلى المنزل في أوقات متأخرة. والدي عامل باليومية، وحياتنا بسيطة، ومع ظروف الحرب والظروف المالية الصعبة كان لابد أن أساعد أسرتي. ومع اقتراب موعد الامتحانات، ساعدني شقيقي في العمل بالقرب مني حتى نتمكن من توفير احتياجات الأسرة ومصروفاتنا اليومية، وحتى الرسوم الدراسية اضطررت إلى استلافها.
أصول أسرتي من جنوب كردفان، وقد نشأت وترعرعت في أمبدة، دار السلام، مربع (14)، وأنا من مواليد عام 2006م. تتكون أسرتنا من ستة أشخاص، لدي شقيقة تكبرني بعام، وشقيق أصغر مني بثلاثة أعوام. جلست لامتحانات المرحلة المتوسطة، لكنني لم أستطع إكمال دراستي في ذلك الوقت بسبب الظروف التي مررنا بها.
والداي لم يقصرا معي، وكانا حريصين على أن أواصل مسيرتي التعليمية رغم الظروف المالية الحرجة التي كانت تمر بها الأسرة. كانا متأثرين جداً بعدم مواصلتي للدراسة، ووجدت منهما كل التشجيع والدعم. وأنا بطبيعتي أحب العلم وشغوف بالمعرفة والاستطلاع، ولذلك كنت أسعى دائماً إلى تحقيق أمنيتي. لم أسمح للعراقيل بأن تقف أمامي، وفعلت المستحيل حتى أتمكن من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية وتحقيق حلم والدي ووالدتي بأن أصبح مهندساً.
مع اندلاع الحرب انتقلنا للسكن في حي الثورة (62). صحيح أن الحرب غيّرت الكثير من تفاصيل حياتنا، لكن طموحي لم يتغير. كنت مصمماً على مواصلة الدراسة والوصول إلى هدفي مهما كانت الصعوبات. درست في مدرسة أبو كدوك النموذجية، ثم واصلت المرحلة الثانوية في مدرسة وادي سيدنا، حيث درست الصفين الأول والثاني الثانوي. وفي الصف الثامن أحرزت 237 درجة. جلست لامتحانات الشهادة السودانية من مدرسة أحمد بشير العبادي، وتمكنت من إحراز نسبة 83%.
كنت أتوقع أكثر من ذلك، لكنني سعدت كثيراً بالنتيجة، وأحمد الله عليها. بالنسبة لي، مجرد وصولي إلى هذه المرحلة بعد كل الظروف التي مررت بها كان أمراً مهماً، وأتمنى أن تكون هذه النتيجة بداية لتحقيق حلمي في دراسة الهندسة. كنت أخرج مبكراً إلى المدرسة، وبعد نهاية الدوام الدراسي أتوجه مباشرة إلى العمل، ثم أعود إلى المنزل في أوقات متأخرة. كان يومي موزعاً بين المدرسة والعمل ومساعدة الأسرة، لكنني كنت مؤمناً بأن التعب مؤقت، وأن العلم هو الطريق الذي أريد أن أواصل فيه حياتي.
أقول لهم ألا يجعلوا الظروف الصعبة سبباً للتخلي عن أحلامهم. قد تكون الطريق شاقة، وقد نضطر إلى العمل ومساعدة أسرنا، لكن علينا أن نتمسك بالتعليم ونواصل السعي. الظروف يمكن أن تؤخر الإنسان، لكنها لا يجب أن تلغي طموحه.









