Home / سياسة / سعر الدولار يتجاوز 8000 جنيه بعد تعطل تطبيق بنكك في السودان

سعر الدولار يتجاوز 8000 جنيه بعد تعطل تطبيق بنكك في السودان

سعر الدولار يتجاوز 8000 جنيه بعد تعطل تطبيق بنكك في السودان

تجاوز سعر الدولار اليوم في السوق الموازي السوداني حدود 8000 جنيه سوداني، وهو أمر يأتي في سياق تدهور متواصل لقيمة العملة الوطنية. وفي ظل هذه الظروف، عانت ملايين السودانيين من تعطل تطبيق “بنكك”، الذي تحول إلى أداة أساسية للمعاملات المالية خلال سنوات الحرب، خاصة مع تعطل المصارف وشحة السيولة واتساع الاعتماد على التحويلات الإلكترونية. وأشارت تقارير ميدانية إلى أن تعطل التطبيق أربك حركة البيع والشراء وعطل معاملات المواطنين والتجار.

وفقًا لمعطيات مختلفة، لم يكن تعطيل “بنكك” مجرد مشكلة تقنية، بل جاء نتيجة فعل فاعل دون إعلان عن الأسباب الحقيقية، ضمن سياسة تتجاوز محاصرة تجارة العملات. يعتقد البعض أن الهدف الحقيقي هو إعادة تشكيل سوق النقد الأجنبي، عبر إخراج شريحة واسعة من المتعاملين من سوق التحويلات الإلكترونية، وإفساح المجال أمام مجموعات محددة تمتلك السيولة النقدية المدعومة من السلطة للدخول إلى السوق واحتكار جزء كبير من عمليات شراء الدولار. وهذا ما يمثل خطورة الإجراء، حيث يصبح المواطن والتاجر عاجزين عن تحريك أموالهم، ويتحول النقد الموجود في حساباتهم الإلكترونية إلى سلعة نادرة، مما يمنح من يمتلك السيولة النقدية ميزة كبيرة.

لذلك، ليس تعطيل “بنكك” مجرد محاصرة للمضاربة، بل إعادة توزيع لأدوات المضاربة. الأخطر أن توفير كميات كبيرة من النقد السوداني المطبوع لجهات مرتبطة بالسلطة وأمراء الحرب والجماعات المستفيدة من الاقتصاد الحربي، يمنح هذه الجهات القدرة الاستثنائية على شراء الدولار من السوق الموازي، بينما يُحرم المواطن من السيولة الموجودة في حسابه الإلكتروني. وهنا تتحول الدولة بدلًا من أن تكون منظمة للسوق، إلى طرف يمنح أفضلية لمن يمتلك النفوذ والقدرة على الوصول إلى النقد.

إن تعطيل “بنكك” لا يؤدي إلى خفض الطلب على الدولار، بل يخلق تجار عملة جدد يمتلكون ميزة لا تتوفر للآخرين، مما يفسر تراجع قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الصعبة رغم تعطل التطبيق. وهذه هي الحلقة التي يجب كشفها، حيث يتضمن تعطيل التحويلات الإلكترونية وحجز أموال المواطنين وتوفير النقد لجهات محددة وشراء الدولار بكميات أكبر وترك المواطن خارج السوق وزيادة التركيز والاحتكار في سوق العملة.

المواطن المسكين هو الخاسر الأكبر، حيث تظل أمواله المحجوزة داخل التطبيق بقيمتها الاسمية، لكن قيمتها الحقيقية تتآكل مع كل تراجع جديد في سعر العملة الوطنية. عشرة ملايين جنيه تظل عشرة ملايين في الهاتف، لكن قدرتها على شراء السلع أو العملات الأجنبية تنخفض بسرعة. وكل يوم يمر دون قدرة صاحب المال على استخدامه أو تحويله إلى أصل يحفظ قيمته يعني خسارة إضافية. وهنا تظهر مفارقة قاسية، حيث يخسر من يمتلك المال داخل “بنكك” من قيمة أمواله، بينما يكسب من يمتلك النقد فرصة أكبر لشراء الدولار.

إقتصاديًا، لا يمكن أن تكون هذه سياسة لمحاربة إنهيار الجنيه، حيث لا يفقد الجنيه قيمته لأن المواطنين يستخدمون “بنكك”، بل نتيجة إنهيار الإنتاج وضعف الصادرات وشحة النقد الأجنبي واتساع الاقتصاد الموازي والإنفاق المرتبط بالحرب وفقدان الثقة بالعملة الوطنية. وقد أظهرت الوقائع أن اضطراب التطبيقات المصرفية أدى إلى زيادة الحاجة إلى السيولة النقدية وتأثير في حركة الأسواق وسعر الصرف.

لذلك، السؤال الحقيقي ليس لماذا تعطل “بنكك”، بل من الذي استفاد من تعطيله؟ إذا كانت النتيجة هي حرمان ملايين المواطنين من استخدام أموالهم، مقابل منح مجموعات مرتبطة بالسلطة وأمراء الحرب القدرة الأكبر على الوصول إلى النقد وشراء الدولار، فإننا لا نكون أمام سياسة نقدية لمحاصرة المضاربة، بل أمام عملية إعادة هندسة للسوق لمصلحة أصحاب النفوذ. وهذا هو أحد أخطر صور إقتصاد الحرب، حيث يتحول النقد الذي تطبعه الدولة إلى أداة لشراء العملة الأجنبية، بينما يتحمل المواطن تبعات التضخم وانهيار الجنيه وتآكل مدخراته. وحجز أموال المواطنين في ظل هذا الانهيار ليس مجرد مشكلة مصرفية، بل إقتطاع صامت من القيمة الحقيقية لمدخراتهم.

وإذا استمرت هذه السياسة، لن تنقذ الجنيه، بل ستزيد ضعف الثقة بالنظام المصرفي، مما يدفع الناس نحو البحث عن شراء الدولار والذهب والسلع ويوسع السوق الموازي ويجعل الاقتصاد أكثر ارتهانًا لأصحاب النقد والنفوذ. وباختصار، تعطيل “بنكك” لا يستهدف محاصرة التعامل بالعملة، بل يستهدف خلق تجار عملة جدد، وتوفر الدولة لهم النقد المطبوع، وبذلك تمنحهم احتكار السوق. هذا هو الهدف الرئيسي من تعطيل التطبيق.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *