تحولت المناظرة، التي سبقت انتخابات برلمان برلين المقررة في 20 سبتمبر، إلى مواجهة عندما رفع مرشح الحزب الديمقراطي الحر كريستوف ماير صورة قديمة تجمع إمام المسجد بشخصيات تتهمها جهات غربية بالعمل ضمن شبكات حماس.
وجاءت الواقعة كحلقة جديدة في ملف وثقت تفاصيله تقارير حكومية ومحاضر برلمانية في فرنسا وبريطانيا وألمانيا، ويشمل دعوة واستقبال المرشحين داخل المساجد، واختبار مواقفهم، وإصدار توجيهات تصويت، وربط التأييد بالحصول على مقار وتمويل وخدمات ومواقع في المجالس البلدية.
وتنقل الواقعة تحدى مختصين بأن شبكات الإخوان لا تحتاج إلى الظهور في صورة حزب معلن، بل تعمل من خلال مساجد وجمعيات ومدارس وكيانات اجتماعية، تستخدمها للتأثير في الناخبين والمرشحين والقرارات المحلية.
نظمت مواجهة داخل المسجد نظمت إحدى الجهات التي تقدم نفسها بأنها ” أئمة برلين ” المناظرة داخل قاعة الصلاة بمسجد دار السلام في حي نويكولن، تحت عنوان “السياسة عن قرب.. برلين في حوار”، قبل انتخابات برلمان الولاية ومجالس الأحياء.
شارك فيها شتيفن كراخ عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي ، وإليف إرالب عن حزب اليسار، وبتينا ياراش ممثلة لحزب الخضر، إلى جانب كريستوف ماير عن الحزب الديمقراطي الحر، بينما لم يُدع حزب البديل من أجل ألمانيا.
وقاطع مرشح الاتحاد الديمقراطي المسيحي شتيفان إيفرز اللقاء بسبب الشبهات المحيطة بالجمعية المشغلة للمسجد وعلاقاتها السابقة بشبكات الإخوان.
وقال ماير إنه واجه منظمي اللقاء بصورة جماعية تعود إلى عام 2017، تظهر إمام المسجد ورئيس جمعيته طه صبري إلى جانب شخصيات تتهمها جهات غربية بالارتباط بشبكات حماس. وقاطعت مديرة المناظرة إيمان أندريا رايمان ماير مرارا، وهددته بسحب الكلمة، ما حول اللقاء إلى قضية سياسية وإعلامية بشأن حدود استخدام المساجد في الحملات الانتخابية المؤدلجة. وذكرت صحيفة “تاغس شبيغل” أن وسائل إعلام عدة لم تحصل على اعتماد لحضور المناظرة.
وأعادت الواقعة تسليط الضوء على الجمعيات الإخوانية، و”جمعية ملتقى نويكولن”، المشغلة للمسجد، التي ورد اسمها في تقارير هيئة حماية الدستور في برلين بين عامي 2014 و2016، بسبب صلات قالت الهيئة إنها رصدتها مع جمعية اعتبرتها أبرز أطر أنصار الإخوان في ألمانيا. وفي عام 2018، طلبت المحكمة الإدارية العليا في برلين توضيح طبيعة توصيف الجمعية داخل تقارير حماية الدستور، من دون أن يمنع الحكم استمرار مراقبتها. مع إبقاء الواقعة الجديدة في سجل علاقاتها المثار في التقارير الرسمية تحت المجهر.
تكشف سجلات البرلمان الفرنسي تفاصيل أكثر وضوحا عن تحويل المساجد إلى ساحات لاختبار المرشحين والتفاوض معهم. ففي أكتوبر 2025، أدلى عالم الاجتماع الفرنسي برنار روجيه بشهادته أمام لجنة تحقيق في الجمعية الوطنية بشأن الروابط بين السياسيين والشبكات التي تنشر الفكر الإسلاموي. وقال روجيه إن مرشحي الانتخابات البلدية في أوبرفيلييه عامي 2008 و2014 دُعوا إلى تقديم برامجهم داخل “مسجد الأخوة”، الذي وصفه بأنه قريب من الإخوان، ثم جرى تقييمهم وفق قدرتهم على الاستجابة لمطالب قادة المسجد. وأضاف أن مساجد أخرى شهدت إصدار تعليمات تدعو المصلين إلى اختيار المرشح “الأقل سوءا تجاه الإسلام”، كما تحدث عن شهادات متكررة بشأن قيام جمعيات بدور الوسيط مع البلديات للحصول على مساكن اجتماعية ووظائف وخدمات محلية، وفق محضر الجلسة البرلمانية. وفي مانت لاجولي، عرض روجيه نموذجا قال إنه قام على منح مزايا مادية لمؤسسات تدور حول مسجد تسيطر عليه شبكة إسلاموية، مقابل استفادة سياسيين محليين من أصوات النسيج الجمعوي المرتبط بها. وتتقاطع هذه الوقائع مع تقرير “الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا “، الذي نشرته وزارة الداخلية الفرنسية في مايو 2025. ورصد التقرير آلية تبدأ بتعبئة الناخبين داخل الأحياء، وإصدار توصيات انتخابية، والتفاوض لإدخال مطالب فئوية في برامج المرشحين، قبل السعي إلى الحصول على مواقع داخل المجالس البلدية أو القوائم الانتخابية. ولا تحتاج هذه الآلية إلى حضور وطني واسع. ففي الانتخابات المحلية المتقاربة، يمكن لمئات الأصوات المنظمة أن تتحول إلى ورقة ضغط تستخدم لمساومة المرشحين على التمويل والمقار والتعيينات والقرارات البلدية.
وتوثق المراجعة الرسمية التي أجرتها الحكومة البريطانية لجماعة الإخوان الجذور المبكرة للأسلوب نفسه. وقد خلصت المراجعة الحكومية إلى أن الجماعة وحلفاؤها أسسوا منذ تسعينيات القرن الماضي منظمات ذات واجهات عامة، لم تعلن صراحة ارتباطها بالإخوان، بينما ظلت العضوية الفعلية داخل الجماعة سرية. وذكرت المراجعة أن رابطة مسلمي بريطانيا أصبحت ناشطة سياسيا، وروجت لمرشحين في الانتخابات الوطنية والمحلية، بينما استطاعت منظمات أخرى فرض نفسها طرفا محاورا للحكومة والشرطة ومؤسسات الدولة. ويكشف النموذج البريطاني أن شبكات الإخوان لا تحتاج إلى وضع اسم الجماعة على مقارها أو مرشحيها، بل تتقدم عبر جمعيات تدعي تمثيل المسلمين، وتستخدم هذا الادعاء للوصول إلى المسؤولين والتأثير في المؤسسات.
تقول الباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ورئيسة المركز الأوروبي للبحث والمعلومات حول الإخوانية، فلورنس بيرجو-بلاكلر، إن شبكات الإخوان تسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها “الوسيط الإلزامي” بين الناخبين المسلمين والمرشحين. وترى بيرجو-بلاكلر أن تحويل المسجد إلى أداة سياسية يبدأ عندما يقدم التصويت لمرشح معين باعتباره واجبا دينيا، أو وسيلة للدفاع عن المسلمين في مواجهة خطاب الملاحقة و “الإسلاموفوبيا”. وتضيف أن الجماعة تدرك صعوبة تمرير مشروعها باسمها داخل الأنظمة الغربية، ولذلك تتجه إلى التأثير غير المباشر عبر المساجد والجمعيات والمدارس والمنصات الحقوقية.
يقول الخبير في العلاقات الدولية فرانك فارنيل إن شبكات الإخوان تعمل من خلال منظومة مترابطة من المساجد والجمعيات الخيرية والمدارس والكيانات المجتمعية، بدلا من التحرك عبر حزب سياسي معلن. ولا يتعلق الأمر بماكينة انتخابية أوروبية موحدة، بل بمنظومات محلية تستخدم الأساليب نفسها: تنظيم الناخبين، والتأثير في المرشحين، والتفاوض مع السلطات، وتقديم شخصيات مرتبطة بها لشغل مواقع سياسية أو جمعوية.
يحدد فرانك فارنيل مؤشرات تكشف هذا النشاط، أبرزها تكرار توجيهات التصويت، وإعلان دعم مرشحين بعينهم، واستخدام موارد المساجد والجمعيات الخيرية في الحملات الانتخابية، وتداخل القيادات بين المؤسسات الدينية والكيانات السياسية. وتشمل المؤشرات أيضا وجود مفاوضات تربط الدعم الانتخابي بالحصول على تمويل عام أو مقار أو تراخيص بناء أو تعيينات ومواقع على القوائم الانتخابية.ويتطلب تتبع هذه الشبكات فحص أعضاء مجالس الإدارة المشتركين، والمانحين، والعناوين، والشركات العقارية، والوسطاء الماليين، إلى جانب مقارنة الرسائل الداخلية الموجهة إلى الأعضاء بالخطاب الذي يقدم إلى السلطات والإعلام. ويقوم كشف النمط على تقاطع مسارات المال والقيادات والتوجيه الانتخابي والمطالب المحلية، بما يفضح انتقال النشاط من العبادة والعمل الخيري إلى بناء شبكات للضغط السياسي. ومن برلين إلى ضواحي باريس ومدن بريطانيا، لا يظهر الإخوان باسمهم عند صناديق الاقتراع، بل يصلون إليها عبر المسجد والجمعية والوسيط الذي يزعم امتلاك أصوات المصلين.









