بقلم إسماعيل شريف- بين الجفاف والفيضان… هل دخل النهر عصرًا جديدًا؟- لا يعرف نهرٌ في العالم علاقةً بالإنسان تشبه تلك التي نسجها نهر النيل عبر آلاف السنين. فمنذ أن استقرت أولى التجمعات البشرية على ضفافه، لم يكن مجرد مجرى للمياه، بل كان صانعًا للحياة، ومرآةً للفصول، ومقياسًا للخصب والقحط، حتى أصبحت حركته السنوية جزءًا من ذاكرة المكان، تحفظها الأرض كما يحفظها الإنسان.
كان للنيل نظامه الذي لا يكاد يخطئ موعده؛ أمطار غزيرة تهطل فوق الهضبة الإثيوبية، فتبدأ مناسيب النيل الأزرق في الارتفاع، يحمل معه الطمي والمياه إلى السودان ثم مصر، قبل أن ينحسر تدريجيًا مع انتهاء موسم الأمطار، لتبدأ دورة جديدة من الاستقرار حتى موعد الفيضان التالي. وعلى هذا الإيقاع تشكلت الزراعة، وأقيمت السدود، ورُسمت الخطط الاقتصادية، بل وحتى الأمثال الشعبية التي ارتبطت بالنهر وتقلباته. مراجع جغرافية
غير أن السنوات الأخيرة حملت متغيرًا غير مسبوق في تاريخ النيل الحديث. فمع اكتمال الجزء الأكبر من سد النهضة الإثيوبي وبدء تشغيله بصورة فعلية، لم يعد تدفق المياه يعتمد على الأمطار وحدها، وإنما أصبح يرتبط أيضًا بقرارات التشغيل والتخزين والتصريف داخل واحدة من أكبر المنشآت المائية في القارة الأفريقية.
وهنا لا يتعلق الأمر بإطلاق الأحكام أو الانحياز إلى موقف سياسي، وإنما بمحاولة فهم واقع جديد بدأ يفرض نفسه على مجرى النهر. فالأنهار الكبرى تتأثر بطبيعتها بالمناخ، لكن وجود منشآت عملاقة على مجاريها الرئيسية يجعل الإنسان شريكًا في رسم إيقاعها، وهو تحول يستحق التأمل والدراسة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه خلال الأعوام الأخيرة هو أن كثيرًا من السودانيين الذين يعيشون على ضفاف النيل الأزرق لاحظوا تغيرات في سلوك النهر لم تكن مألوفة في السابق. فقد سجلت مناطق عديدة انخفاضات مفاجئة في المناسيب خلال بعض الفترات، بينما بدت المياه أكثر استقرارًا في فترات أخرى، كما انخفضت حدة بعض موجات الفيضان التي اعتادت القرى استقبالها مع كل موسم أمطار.
وفي الوقت نفسه، برزت ملاحظات تتعلق بتراجع كميات الطمي التي كانت تصل إلى الأراضي الزراعية، وهو طمي ظل لعقود طويلة يمثل مصدرًا طبيعيًا لتجديد خصوبة التربة، وإن كان يحمل في الوقت ذاته تحديات تتعلق بترسباته داخل القنوات والخزانات.
هذه التحولات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها دليلًا قاطعًا على تأثير منفرد لسد النهضة، فالنهر بطبيعته منظومة معقدة تتداخل فيها عوامل المناخ، وكميات الأمطار، والتغيرات البيئية، إلى جانب أساليب إدارة المياه داخل السدود القائمة في مختلف دول الحوض. لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن اكتمال سد بهذا الحجم قد أدخل عنصرًا جديدًا في معادلة جريان النيل، وهو عنصر الإدارة البشرية المباشرة لتوقيت تدفق المياه.
وهنا تبرز قضية ربما تكون أكثر أهمية من حجم المياه نفسه، وهي قضية انتظام الجريان. فالزراعة لا تعتمد فقط على كمية المياه المتوفرة خلال العام، وإنما تعتمد كذلك على وصولها في الأوقات المناسبة. ومحطات مياه الشرب، ومشروعات الري، وإنتاج الكهرباء، وحتى النظم البيئية، جميعها تتأثر باستقرار المناسيب وعدم تعرضها لتغيرات مفاجئة.
ويكتسب السودان أهمية خاصة في هذه المعادلة، لأنه أول دولة تستقبل مياه النيل الأزرق بعد خروجها من سد النهضة، ولأن المسافة القصيرة نسبيًا بين السد الإثيوبي وسد الروصيرص تجعل أي تعديل في كميات التصريف ينعكس سريعًا على مجرى النهر داخل الأراضي السودانية، الأمر الذي يفرض أهمية كبيرة لتبادل البيانات والتنسيق الفني المستمر.
وفي المقابل، يرى بعض المختصين أن تنظيم تدفق المياه قد يحمل فوائد في بعض الجوانب، مثل الحد من الفيضانات الشديدة، وتحسين انتظام الإمداد المائي خلال بعض فترات العام، إذا ما تمت إدارة السد وفق قواعد تشغيل واضحة ومتفق عليها. وهذه الرؤية، سواء اتفق معها المرء أو اختلف، تؤكد أن القضية ليست في وجود السد وحده، بل في كيفية تشغيله، ومستوى التعاون بين الدول التي تتشارك هذا المورد الحيوي. معلومات عن السودان
إن ما يشهده النيل اليوم قد يمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخه ؛ مرحلة لم تعد الطبيعة وحدها ترسم ملامحها، بل أصبحت القرارات الفنية والهندسية جزءًا من دورة النهر نفسها. وهذا الواقع يفرض على الباحثين، وصناع القرار، ووسائل الإعلام، التعامل مع الملف بعقلية علمية هادئة، بعيدًا عن المبالغات أو التطمينات غير المستندة إلى الأدلة.
فالنيل سيظل شريان الحياة للسودان ومصر وإثيوبيا، لكن الحفاظ على هذا الدور يتطلب أن تُدار مياهه بروح الشراكة لا بروح المنافسة، وأن تصبح المعلومات والشفافية أساسًا لأي إدارة مشتركة لهذا المورد الذي لا يعرف الحدود السياسية.
وربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو: كم يحمل النيل من المياه؟ بل أصبح السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف، ومتى، وبأي آلية تصل هذه المياه إلى شعوب الوادي؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد ترسم مستقبل النهر لعقود قادمة، تمامًا كما رسم النهر مستقبل الحضارات التي نشأت على ضفافه منذ آلاف السنين. مراجع جغرافية









