Home / سياسة / السودان والتهمان باستخدام أسلحة كيميائية: المطالب الدولية بالتحقيق تتزايد وتطالب بعثة مستقلة

السودان والتهمان باستخدام أسلحة كيميائية: المطالب الدولية بالتحقيق تتزايد وتطالب بعثة مستقلة

السودان والتهمان باستخدام أسلحة كيميائية: المطالب الدولية بالتحقيق تتزايد وتطالب بعثة مستقلة

مع اتساع دائرة المطالبين دوليا بكشف الحقيقة، لم يعد النقاش مقتصرا على صحة الاتهامات، بل أصبح يدور حول الخطوات العملية اللازمة لإثباتها ومحاسبة المسؤولين عنها: إرسال بعثة دولية مستقلة للتحقيق، وفحص التربة والمياه والجثامين، والوصول إلى المواقع والمنشآت العسكرية المشتبه بها، وتتبع سلسلة توريد الكلور من مصدره إلى المستخدم النهائي، والتحقيق في تسلسل الأوامر والمسؤولية المحتملة للقيادة العليا للجيش.
وتكتسب القضية خطورتها من طبيعة المعلومات المنشورة. فقد تحدثت تقارير صحفية دولية عن برنامج سري لتطوير ذخائر وقنابل تحتوي على الكلور، وعن تخزين واستخدام محتمل لتلك الذخائر في الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، فضلاً عن معلومات تشير إلى احتمال معرفة مستويات قيادية عليا بالبرنامج.
ورغم أن قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان ينفي هذه الاتهامات، فإنه لم يتجاوب حتى الآن مع المطالب الدولية بالتعاون وفتح المواقع والسجلات والمنشآت المعنية أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أو جهة فنية دولية مستقلة، ما أبقى الملف مفتوحا ورفع مستوى المطالب العالمية بالانتقال من النفي السياسي إلى التحقيق الميداني.
أدلة ذات مصداقية
في رسالة أعدها غريغوري كوبلنتز، مدير برنامج الدراسات العليا للدفاع البيولوجي بجامعة جورج ميسون، وشارك في توقيعها 18 خبيرا في الأسلحة الكيميائية ومنع الانتشار والأمن القومي، أكد الموقعون ظهور أدلة ذات مصداقية تدعم بقوة الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني.
ونشر “مركز الحد من التسلح ومنع الانتشار” الرسالة، وضم الموقعون عليها السفير الأميركي السابق لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية روبرت ميولاك، ورئيس ائتلاف اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية بول ووكر، والمدير التنفيذي لجمعية الحد من التسلح داريل كيمبال، إلى جانب أكاديميين وخبراء سابقين في التفتيش ومنع الانتشار.
وقالت الرسالة إنه منذ اتهام الولايات المتحدة السودان، في مايو 2025، باستخدام أسلحة كيميائية في الحرب، ظهرت أدلة موثوقة تدعم الاتهام بقوة.
وأضاف الخبراء أنه، وفقا للمصادر والتقارير المتاحة، استخدم السودان أسطوانات معبأة بالكلور في هجومين على الأقل خلال سبتمبر 2024، كما أنتج مخزوناً من القنابل الجوية المصممة لنشر غاز الكلور.
وأوضحوا أن الاتهامات يمكن أن تفعّل عددا من آليات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بينها إجراء تحقيق في الاستخدام المزعوم، أو إرسال بعثة للمساعدة الفنية، أو إخضاع منشآت سودانية يشتبه في ارتباطها بالأسلحة الكيميائية لـ”تفتيش بالتحدي”، وفقاً للمادة التاسعة من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وتكتسب إفادة الخبراء أهميتها من أنها لا تكتفي بالمطالبة العامة بالتحقيق، بل تحدد طبيعة الاستخدام المزعوم، وعدد الوقائع، ونوع الذخائر، والمسارات القانونية والفنية المتاحة أمام المنظمة للتحقق منها.
التربة والمياه والجثامين
في مؤتمر بعنوان “من الأدلة المحلية إلى العمل العالمي: ربط واقع المجتمعات بسياسات حقوق الإنسان”، نظمه “منتدى باريس للاندماج” في جنيف، في 25 سبتمبر، على هامش الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان، قدمت المحامية والسياسية الألمانية كلاوديا فيدليش تصورا فنيا وقانونيا للتحقيق.
وطالبت فيدليش الجيش السوداني بالسماح بفحص التربة والمياه والجثامين المدفونة في المواقع الواردة في التقارير، ودعت الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى إرسال بعثة تحقيق دولية مستقلة.
وقالت إن الاتهامات الأميركية المتعلقة باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية خلال عام 2024 يجب أن تؤخذ بجدية، مشيرة إلى أن السودان صادق على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وأن استخدام هذه الأسلحة، إذا ثبت رسميا، يشكل انتهاكا بالغ الخطورة لالتزاماته الدولية.
وتكمن أهمية دعوتها في أنها تحدد العناصر التي يمكن من خلالها الانتقال من القرائن إلى الإثبات الفني. فتحليل التربة والمياه والأنسجة البشرية، وربط النتائج بالسجلات الطبية وشهادات المصابين والناجين، قد يساعد في تحديد المادة المستخدمة وطريقة انتشارها والتوقيت المرجح للتعرض لها.
ودعت فيدليش كذلك إلى تتبع سلسلة توريد غاز الكلور كاملة، بدءا من التصدير وحتى المستخدم النهائي، بما يشمل الشركات والوسطاء ومسارات الشحن والتخزين والشحنات التي وصلت إلى مناطق النزاع.
وتطرح هذه الدعوة مسارا أساسيا للتحقيق، فالكلور مادة مزدوجة الاستخدام تدخل في معالجة المياه والصناعات المدنية. ولذلك لا يكفي إثبات دخولها إلى السودان، بل يتعين تحديد الكميات المستوردة والجهات التي تسلمتها ومسارات نقلها، وما إذا كان جزء منها وصل إلى منشآت عسكرية أو جرى تحويله إلى ذخائر قتالية.
السلاح يحدده الاستخدام
وفي المؤتمر نفسه، وصف بييرتنس غوستاف، رئيس منظمة “سيد أفريقيا”، اتهامات استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية بأنها تصعيد خطير يضاعف معاناة المدنيين.
وأشار إلى أن التقارير جاءت بعد فرض الولايات المتحدة عقوبات على السودان، استنادا إلى استنتاجها بوقوع استخدام للأسلحة الكيميائية خلال عام 2024 في منطقة الجيلي بالخرطوم بحري، معتبرا أن ذلك يعزز ضرورة فتح تحقيق مستقل.
وقال إن الاستخدام المدني الشائع للكلور لا ينفي عنه صفة السلاح الكيميائي عندما يستخدم عمدا لإيذاء البشر، فطبيعة السلاح لا تتحدد باسم المادة وحده، بل بالغرض من استخدامها والطريقة التي جرى بها تحويلها إلى وسيلة للقتل أو الإصابة.
وحذر غوستاف من أن الحرب الكيميائية ليست مجرد تكتيك إضافي في ساحة القتال، بل اعتداء على الكرامة الإنسانية وتقويض للمعايير الدولية التي تأسست عبر أجيال، فضلاً عن أنها تزيد خطر التقليد والانتقام.
وأكد أن المدنيين السودانيين يحتاجون إلى أكثر من مجرد التعبير عن القلق، وأن المطلوب هو التحقق و العدالة والتحرك الدولي المستمر، داعياً إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة تابعة للأمم المتحدة، يقبل الجيش السوداني مهمتها من دون شروط.
معركة الحفاظ على الأدلة
وخلال المؤتمر ذاته، تناول جوزيف تشونغسي، وهو خبير ومستشار في حقوق الإنسان، أهمية الأدلة في مسار الدفاع عن حقوق الضحايا ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
وقال إن العملية تبدأ بتوثيق الانتهاكات ميدانيا، ثم التحقق من المواد والمعلومات المجموعة، قبل إحالتها إلى الهيئات المختصة القادرة على التحقيق والمساءلة.
وحذر تشونغسي من العقبات التي تواجه المنظمات غير الحكومية والصحفيين والمحققين أثناء جمع الأدلة، مشيرا إلى أن مرتكبي الانتهاكات قد يتعمدون تدمير الأدلة ووضع العراقيل أمام جهود التوثيق.
كما حذر من أن أي تأخير قد يؤدي إلى تلاشي بقايا المواد الكيميائية، واختفاء السجلات، ونقل الذخائر أو دفنها، وتغيير معالم المواقع، وتشتت المصابين والشهود.
وتحدثت الصحفية الإيطالية المستقلة فرانشيسكا مارينو عن الصعوبات التي تواجه جمع الأدلة والتغطية الصحفية عندما تكون أجهزة الدولة نفسها متهمة بالتورط في الانتهاكات، وتمتلك القدرة على تقييد الوصول إلى المواقع والمعلومات.
واستندت مارينو في إفادتها إلى خبرتها في متابعة الانتهاكات في باكستان وبلوشستان، لكن المبدأ الذي طرحته ينطبق على ملف السودان: لا يمكن انتظار أدلة كاملة في بيئة تتحكم فيها الجهة المتهمة بالمواقع والسجلات وحركة الصحفيين والمحققين.
القانون بلا آلية إنفاذ
وفي 28 سبتمبر، خصص المعلق القانوني البريطاني الشهير جوشوا روزنبرغ حلقة من برنامجه الأسبوعي “A Lawyer Talks” لمناقشة اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان.
واستضاف روزنبرغ سانتياغو أونياتي لابوردي، السياسي المكسيكي السابق والسفير السابق لبلاده لدى المملكة المتحدة والمستشار القانوني السابق لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وقال لابوردي إن الفشل في التحقيق في الاتهامات حتى الآن يكشف ضعف القانون الدولي ومنظومة الأمم المتحدة بصورتها الحالية، بينما تساءل روزنبرغ عن معنى وجود اتفاقية دولية ملزمة إذا لم تُستخدم آلياتها للتحقق من اتهامات بهذه الخطورة.
وأشار روزنبرغ إلى الفجوة بين المعلومات المنشورة والاستجابة الدولية؛ فالاتهامات تتعلق بأحداث وقعت عام 2024، وفرضت الولايات المتحدة لاحقاً عقوبات على السودان، لكن ذلك لم يتبعه تحرك ظاهر لإنفاذ التزامات السودان بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
ولفت إلى أن المعلومات، رغم استنادها إلى مسؤولين أمنيين واستخباراتيين لم تُكشف هوياتهم، ينظر إليها مراقبون غربيون باعتبارها ذات مصداقية، خصوصاً بعدما دعمتها مقاطع مصورة ووثائق واتصالات قيل إنها جرى اعتراضها.
وقال إن المماطلة في إجراء تحقيق مستقل تمنع تبرئة الجيش، فإذا كانت رواية قيادته صحيحة، فإن فتح المواقع والسجلات يمثل الطريق الأقصر لإثباتها.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *