التكتم الذي يكتنف بعض التطورات فتح الباب أمام تحليلات متباينة حول مآلات المرحلة المقبلة، خصوصاً فيما يتعلق بمصير مضيق هرمز والملف النووي الإيراني، في وقت تتقاطع فيه حسابات القوى الإقليمية والدولية على وقع أزمة تعصف بالنظام في طهران. أربعة باحثين قدّموا قراءات متقاطعة ومتباينة لما جرى.
استهل الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، بشير عبد الفتاح، حديثه مؤكداً أن تصريحات المتحدثين “لا تضيف شيئاً ذا قيمة”، وأن ما جرى هو “تعتيم” على اللقاء، إذ لم يخرج أي مسؤول أميركي بتصريح موازٍ لما قيل، وبالتالي فنحن أمام “سردية وحيدة” بشأن لقاء وصفه بـ”المبهم والغامض”.
ورأى أن كلمة “إيجابي” التي استخدمت لوصف اللقاء هي “كلمة محايدة دبلوماسية لا تنطوي على أي إشارات”، وأن حديث المتحدثين عن “توافق حول الأهداف” لم يوضح “كيف وبأي وسيلة وإلى أي مدى”، وهو ما يعني في رأيه وجود تباين في المقاربات.
من جهته، رأى الكاتب والباحث السياسي عايد المناع أن اللقاء جاء بناءً على “طلب وإصرار أحد الطرفين”، وأن التعتيم كان “متعمداً” لإبقاء الموقف غامضاً، مشيراً إلى أن أحد الطرفين تعرض لهجمات عاصفة بسبب اتباعه لموقف معين، حتى بات يقال في الخارج إن “الموقف يعتمد بشكل كبير على هذا الطرف”.
مع ذلك، لفت المناع إلى أن الطرف الآخر بدأ يستعيد موقعه كـ”القائد” صاحب القرار الفعلي، محذراً في الوقت ذاته من عدم الاستهانة بتأثير الطرف الأول، وخلص إلى أن “كل ما يُقال علناً ليس بالضرورة ما يُتفق عليه خلف الأبواب”.
من جهته، شدد الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية أمجد طه على أن التبادل الاستخباراتي بين الطرفين لا يحتاج إلى لقاءات علنية، مؤكداً أن وكالات المخابرات تعمل بشكل مباشر، وأن الهدف الحقيقي من اللقاء كان تحديد توقيت “الشوط الثاني من المعركة”.
وأشار إلى أن العمليات العسكرية التي استهدفت طهران انطلقت بالاعتماد على معلومات ومسيّرات زرعت داخل الأراضي الإيرانية منذ أشهر، معتبراً أن اعتقال إيران لعدد كبير من الأشخاص بتهمة العمالة بعد حرب الأيام الاثني عشر يكشف حجم الاختراق الاستخباراتي العميق، وغياب الثقة بين قيادات النظام، مستشهداً بغياب المرشد الإيراني عن طهران يوم استهدافه وتوجهه إلى تبريز.
من جانبه، أكد بشير عبد الفتاح أن الطرف الأول لم يكن بعيداً عن العمليات العسكرية الجارية، موضحاً أنه وإن لم يشارك بصورة مباشرة، فإنه أسهم فيها بصورة غير مباشرة، مستشهداً بإعلان وزير الدفاع الإسرائيلي أن المقاتلات التي نفذت الضربات على إيران انطلقت من مطارات هذا الطرف.
وأضاف أن الاختراق الاستخباراتي شكل أحد عناصر الإسناد للعمليات العسكرية، محذراً من أن وجود خلايا أوكرانية في العراق قد يفتح الباب أمام انخراط أطراف دولية جديدة، الأمر الذي قد يدفع روسيا إلى توسيع مستوى دعمها لإيران، بما ينذر بتحول المواجهة إلى صراع إقليمي ودولي أكثر تعقيداً.
كما حذر من أن «إيران الضعيفة المهزومة بلا رأس قوي أخطر من إيران القوية المتماسكة»، معتبراً أن ما تشهده طهران يمثل نموذجاً للفشل في إدارة الأزمات نتيجة تقديرات وقرارات استراتيجية خاطئة أهدرت مقدراتها الاقتصادية والعسكرية والتقنية.
ومن جانبه، رأى الكاتب والباحث السياسي عايد المناع أن غياب تصريح أحد الطرفين قد يرتبط بوجود «عامل مخفي»، مرجحاً أن يتولى الجيش الإيراني زمام السلطة إذا انهار النظام، بما قد يفضي إلى صراع مع الحرس الثوري، كما استبعد أن يكون لأوكرانيا دور حاسم في المواجهة، معتبراً أنها منشغلة بأزماتها الداخلية، فيما لا تزال روسيا قوة كبرى تمتلك إمكانات أوسع.
في المقابل، قدّم مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية مصدق بور قراءة مغايرة تماماً، مرجعاً إرجاء تصريح الطرف الآخر إلى سببين: مفاوضات جارية مع سلطنة عُمان يجد فيها “بصيص أمل” بأن تلقى استجابة إيرانية، وحالة تشتت وتضارب رؤى داخل إدارته بين مستشارين من جهة، ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي من جهة أخرى، ما يدفعه إلى “المراوحة بين الاثنين”. ورأى بور أن الطرف الأول لم ينجح في تحقيق ما سعى إليه خلال اللقاء.
وفيما يتعلق بالملف النووي، جدّد بور نفي سعي إيران لتصنيع سلاح نووي، مؤكماً استعدادها لتقديم “أي ضمانات” يطلبها الغرب، ومشيراً إلى تجربة اتفاق 2015 حين أوقفت طهران التخصيب عند 3.67% وأخرجت موادها المخصبة إلى روسيا.
واعتبر أن الطرف الأول تحاول الالتفاف على هذه الحقائق بالتركيز على ملف “الجبل”، مشدداً على أن إيران “لا تحتاج” لتصنيع القنبلة إذ إنها قادرة، إن تغيرت عقيدتها العسكرية أو الفتوى الحاكمة، على “شرائها أو الحصول عليها من أصدقائها بكل سهولة”.
وختم بالتأكيد أن مضيق هرمز يقع بالكامل ضمن المياه الإقليمية لإيران وعُمان دون وجود مياه دولية وسطه، قائلاً إن “إيران بخير”، وإن الطرف الآخر عجز طيلة أربعين عاماً عن إسقاط النظام رغم تهديداته المتكررة.









