ورغم الترحيب الدولي بالتقدم المُعلن، فإن القضايا الأكثر حساسية، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني وترتيبات النفوذ الإقليمي، لا تزال بعيدة عن التوافق النهائي، ما يثير تساؤلات جدية حول قدرة المهلة الزمنية المحددة على تجاوز التناقضات العميقة بين الطرفين.
وفي هذا السياق، قدّم كل من كبير الباحثين في المجلس الأطلسي بواشنطن سمير التقي والباحث في الشؤون الإيرانية فراس إلياس خلال حديثهما إلى برنامج “الظهيرة” قراءتين متقاطعتين لمسار المفاوضات، تكشفان حجم التعقيدات التي تحيط بالانتقال من مذكرة تفاهم إلى صفقة شاملة ومستدامة.
يرى التقي أن ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز اتفاقا على مواصلة التفاوض، مؤكدا أن الطرفين حريصان على إبقاء العملية التفاوضية قائمة لأنهما لا يريدان العودة إلى خيار الحرب.
غير أنه يشير إلى أن بعض الملفات خرجت عمليا من نطاق التفاوض، وفي مقدمتها قضية الصواريخ وأذرع إيران الإقليمية.
وبحسب التقي، فإن وضع الأذرع المرتبطة بإيران أصبح جزءا مكرسا في التفاهمات القائمة، بحيث يمكن لطهران اعتبار أي استهداف لقوى تعدّها تابعة لها، مثل حزب الله، خرقا لوقف إطلاق النار، أما ملف الصواريخ فما زال مطروحا دون حسم.
وأضاف أن الاختبار الحقيقي بات مرتبطا بالملف النووي، ولا سيما ما يتردد عن موافقة إيرانية على إخراج اليورانيوم المخصب من البلاد.
لكن التقي يبدي شكوكا إزاء هذه الرواية، مذكّرا بأن مواقف مشابهة طُرحت سابقا قبل أن تصدر عن طهران مواقف معاكسة.
يربط الباحث في الشؤون الإيرانية فراس إلياس انخراط إيران في المحادثات المباشرة بجملة من المؤشرات التي اعتبرتها طهران إيجابية، ومنها ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الصواريخ الباليستية الإيرانية ومضيق هرمز.
ويعتبر إلياس أن الانتقال من المفاوضات غير المباشرة إلى المباشرة يعكس إدراكا إيرانيا بأن الوقت مناسب للاستفادة من هذه المرونة الأميركية، لكنه يؤكد في المقابل أن أجواء الحذر والارتياب ما زالت تهيمن على المفاوضات بسبب الغموض المحيط بالأجندات والآليات التنفيذية.
ويشدد إلياس على أن جوهر المرحلة الحالية يتمثل في بناء آليات ملزمة للطرفين، سواء عبر خريطة الطريق أو التفاهمات المتعلقة بمضيق هرمز أو ضبط التصعيد في لبنان، معتبرا أن نجاح الانتقال من مذكرة التفاهم إلى الصفقة الشاملة مرهون بوجود ضمانات واضحة وسقوف محددة للالتزامات المتبادلة.
يتفق الباحثان على مركزية الملف النووي في مسار التفاوض، غير أنهما يقدّمان مقاربتين مختلفتين لأبعاده ودلالاته.
فمن جهة، يوضح التقي أن إيران تنظر إلى مشروعها النووي باعتباره أداة ردع ذات طابع إقليمي، أكثر من كونه موجها بشكل مباشر ضد الولايات المتحدة، مشيرا إلى ارتباطه بحماية النفوذ الإيراني في الإقليم ومنع أي محاسبة على سلوكها المرتبط بأذرعها العسكرية.
كما يلفت إلى وجود نقاش داخل إيران حول تجاوز مرحلة “العتبة النووية” نحو امتلاك السلاح النووي فعليا، استنادا إلى قناعة لدى بعض الأوساط بأن امتلاك القنبلة كان سيحدّ من احتمالات الاستهداف الأميركي والإسرائيلي.
أما إلياس، فيرى أن البرنامج النووي بات يشكّل أحد عناصر شرعية النظام الإيراني، وأن مؤسسات القرار، وفي مقدمتها الحرس الثوري والقيادة الإيرانية، لا تتجه إلى التفريط بهذه الورقة.
ويتابع إلياس موضحا أن العقيدة النووية الإيرانية تقوم على امتلاك القدرة والمعرفة والبنية التحتية التقنية اللازمة لإنتاج السلاح النووي عند الحاجة، وليس بالضرورة امتلاكه فعليا.
كما يشير إلى أن طهران تتجه إلى تفكيك الملف النووي إلى مسارات تفاوضية جزئية، تشمل التخصيب وأجهزة الطرد المركزي والعلاقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بدلا من التوصل إلى تسوية شاملة واحدة تنهي الملف بالكامل.
أحد أبرز التحديات التي يسلط التقي الضوء عليها يتمثل في الموقف الأميركي الداخلي، فإيران، بحسب تقديره، تطالب بضمانات صادرة عن الكونغرس، باعتباره الجهة الوحيدة القادرة على تحويل الاتفاق إلى التزام استراتيجي طويل الأمد.
ويلفت إلى أن إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما أخطأت، من وجهة نظره، عندما لم تعرض الاتفاق النووي السابق على الكونغرس، ما جعل استمراريته عرضة للتقلبات السياسية.
ويعتقد التقي أن تمرير أي اتفاق جديد لن يكون سهلا في ظل الاعتراضات القائمة داخل الحزبين، فالديمقراطيون، وفق تقديره، قد يؤيدون الاتفاق لتجنب الحرب لكنهم ليسوا بالضرورة مستعدين للتصويت لصالحه، فيما يواجه ترامب انتقادات حادة من الجمهوريين ومن دوائر مرتبطة بالمؤسسة العسكرية الأميركية.
في تقييمه للمشهد الحالي، يرى إلياس أن إيران تراهن على عامل الزمن وتجزئة المسارات التفاوضية بهدف انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات الأميركية، مع الحفاظ على بيئة خارجية تسمح لها بإعادة صياغة أدوارها الإقليمية، سواء في لبنان أو في مضيق هرمز.
لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الخيارات الإيرانية أصبحت أكثر ضيقا من أي وقت مضى، فإما التوصل إلى صفقة شاملة عبر المسار التفاوضي الحالي، وإما العودة إلى خيار الحرب الذي لا يرغب به النظام الإيراني، سواء على مستوى المرشد أو الحرس الثوري أو القوى السياسية الأخرى، في ظل تراجع القدرة على تحمل كلفة مواجهة جديدة عسكريا واقتصاديا وسياسيا.
التقدم المعلن في مفاوضات إيران يواجه عقبات كبيرة في الملف النووي والنفوذ الإقليمي.









