Home / سياسة / البرهان يوافق على مبادرة حوار وطنية لتهيئة أجواء شاملة في السودان

البرهان يوافق على مبادرة حوار وطنية لتهيئة أجواء شاملة في السودان

البرهان يوافق على مبادرة حوار وطنية لتهيئة أجواء شاملة في السودان

البرهان أعلن موافقته على مبادرة تقدمت بها مجموعة وصفها بـ”الوطنية والمستقلة” لتهيئة حوار سوداني شامل، متعهدا بتوفير الدعم اللوجستي والضمانات القانونية والسياسية والأمنية للمشاركين، مع تأكيده أن الدولة لن تتدخل في تحديد أطراف الحوار أو أجندته أو مخرجاته.

لكن الإعلان عن الحوار تزامن مع تجديد البرهان تعهده بمواصلة القتال حتى وصفه بـ”تطهير” السودان من قوات الدعم السريع، ورفضه أي تسوية تعيد قياداتها أو حلفاءها إلى السلطة، كما كشف عن بدء العمل مع القوى التي ساندت الجيش لاستكمال مؤسسات الحكم، بما فيها المجلس التشريعي.

وأعاد الجمع بين الدعوة إلى الحوار والتمسك بالحسم العسكري طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المبادرة واستقلالها وأهدافها: هل تمثل مدخلا حقيقيا لوقف الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة، أم محاولة لإعادة تنظيم معسكر الجيش ومنحه غطاء مدنيا، تمهيدا لتثبيت سلطة عسكرية تحتفظ داخلها شبكات النظام السابق والحركة الإسلامية بنفوذها؟

قال البرهان إن مجموعة وطنية مستقلة تقدمت بمبادرة للحوار، وإن سلطته لن تتولى تنظيمه أو تحديد أطرافه أو أجندته أو مخرجاته، لكن هذه الاستقلالية المعلنة تصطدم منذ اللحظة الأولى بثلاث حقائق. أولها أن البرهان هو من يمنح الآلية حق العمل ويوفر لها التمويل والدعم اللوجستي والحماية والضمانات، وثانيها أن الحوار سيعقد داخل مناطق خاضعة لسلطة الجيش وأجهزته الأمنية والقضائية، وثالثها أن قائد الجيش وضع، قبل انطلاقه، حدود التسوية المقبولة، وحدد القوى التي يتعامل معها، وأعلن الشروع في توزيع المقاعد داخل مؤسسات الحكم.

ولا يمكن لحوار أن يكون مستقلا إذا كان أحد أطراف الحرب يحتكر المكان والحماية والتمويل، ويملك سلطة توقيف المشاركين أو تعليق ملاحقتهم، ثم يحدد مسبقا من يستحق العودة إلى المجال السياسي ومن يستبعد منه.

والأكثر إثارة للريبة أن البرهان لم يكشف هوية “المجموعة الوطنية” التي بادرت إلى الحوار، ولا معايير اختيارها، ولا الجهة التي فوضتها، ولا كيفية تكوين لجنتها التحضيرية. وبذلك تتحول عبارة “آلية مستقلة” إلى توصيف تمنحه السلطة لمجموعة مجهولة، بدلاً من أن تكون الاستقلالية نتيجة لتوافق القوى السودانية وثقتها في الجهة المنظمة.

وأشار التيار الثوري الديمقراطي، بقيادة ياسر عرمان، إلى أن اللجنة التحضيرية لا تستطيع تعيين نفسها، ولا يجوز لأحد أطراف الحرب وحلفائه اختيارها. فالحوار الذي يبدأ بآلية يباركها معسكر واحد، ويجري في أرضه وتحت حمايته، ينتهي غالبا إلى إقرار ما قرره ذلك المعسكر قبل انعقاد الجلسة الأولى.

تعهد البرهان في خطابه بأن الحوار سيجري في مناخ تسوده الحريات، لكنه لم يعلن إلغاء القوانين المقيدة لها، أو إطلاق سراح المعتقلين، أو وقف ملاحقة الصحفيين والناشطين والسياسيين، أو إنهاء الإجراءات التي تستخدمها سلطته ضد معارضي الحرب.

وبدلا من ذلك، عرض “حصانة إجرائية مؤقتة” للمشاركين، تتضمن تعليق الإجراءات الجنائية القائمة وحمايتهم خلال فترة الحوار، من دون إسقاط الاتهامات بصورة نهائية.

وهذه الصيغة بحسب سياسيين وخبراء قانونيين لا تقدم ضمانة سياسية حقيقية، بل تكشف حجم المشكلة. فالسلطة التي تزعم أنها تفتح المجال العام تقول للمعارضين، عمليا، إن حريتهم في الحضور والكلام ستظل رهينة قرارها، توقف ملاحقتهم عندما يأتون إلى طاولتها، وتحتفظ بملفاتهم إلى ما بعد انتهاء المهمة.

فالحقوق السياسية لا تمنح في شكل تصاريح مؤقتة، وحرية التعبير ليست امتيازا يقدمه قائد عسكري لمن يقبل حضور مؤتمره. وإذا كان المشاركون يحتاجون إلى حصانة كي يعبروا عن آرائهم، فإن ذلك يمثل دليلاً على غياب المناخ الحر، لا على توافره.

ولهذا رفض عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان عرض العفو والحصانة، معتبرا أن البرهان لا يملك صفة تخوله تقديم العفو السياسي، وأن المطلوب قبل أي حوار هو موقف واضح من وقف الحرب والمحاسبة، لا تعليق الإجراءات لاستقطاب عدد من المعارضين إلى اجتماع تنظمه سلطة الأمر الواقع.

يقول البرهان إنه يريد حوارا شاملا، لكنه أعلن في الوقت نفسه أنه بدأ العمل مع “القوى الوطنية التي ساندت الدولة ومؤسساتها”، وهذه العبارة وحدها تكشف معيار المشاركة: المطلوب ليس جمع المختلفين، بل مكافأة من وقفوا مع الجيش خلال الحرب، ومنحهم مواقع في المجلس التشريعي ومؤسسات السلطة المقبلة.

وبهذا يصبح الحوار أقرب إلى مؤتمر لإعادة تنظيم التحالف السياسي والعسكري القائم في مناطق سيطرة الجيش، وإضافة وجوه مدنية ديكورية إليه لتحسين صورته، لا عملية وطنية تبحث جذور الحرب وتضع مسارا لإنهائها.

ووصف محمد الفكي سليمان إجراء حوار مع شخصيات تقف أصلا في صف البرهان بأنه “مونولوج”، لأن الحوار الحقيقي يفترض جمع أطراف مختلفة، بينما يستبعد الطرح الحالي الطرف الآخر في الحرب والقوى المدنية الرئيسية المطالبة بوقفها.

وكان تحالف “صمود” قد رفض المبادرة، معتبرا أنها تسعى إلى تنصيب البرهان رئيسا للبلاد، وإضفاء شرعية على حكم عسكري يمهد لعودة الإسلاميين الذين أسقط السودانيون سلطتهم بثورة ديسمبر.

والنتيجة أن أبرز القوى المدنية المناهضة للحرب تقف خارج العملية قبل بدايتها. وإذا كانت الجهة الداعية لا تستطيع جذب القوى ذات الثقل والمصداقية، فإن وصف الحوار بأنه “شامل” يصبح دعاية سياسية لا تعكس خريطة المشاركين الفعلية.

تمثل علاقة البرهان بالحركة الإسلامية جوهر الاعتراض على الحوار، فالمشكلة، وفق منتقديه، لا تقتصر على احتمال مشاركة المؤتمر الوطني المنحل والحركة الإسلامية بصورة معلنة، بل تمتد إلى تغلغل شبكات النظام السابق داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية والإعلامية، وفي الكتائب المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش.

ويرى القيادي في “صمود” خالد عمر يوسف أن جوهر المناورة يقوم على إبعاد المؤتمر الوطني عن الواجهة، مع تمكينه من إدارة المشروع من خلف الستار. واتهم يوسف الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني بالوقوف خلف التوجه السياسي الذي حمله خطاب البرهان، قائلا إن الخطاب يعيد إنتاج الأفكار الواردة في وثيقة “أجندة المستقبل” التي طرحها القيادي الإسلامي بالنظام السابق أحمد هارون في فبراير 2025.

كما قال يوسف إن اللمسات الأخيرة للمشروع وضعت، بحسب معلوماته، في اجتماعات عقدتها تيارات إسلامية في تركيا لمناقشة استراتيجية التعامل مع الضغوط المتزايدة عليها. وتظل هذه التفاصيل اتهامات سياسية تستلزم تحقيقا مستقلا، لكن مضمون الخطاب نفسه يمنحها ثقلا لا يمكن تجاهله: مواصلة الحرب، واستكمال مؤسسات السلطة، وتوسيع تحالف القوى المؤيدة للجيش، ثم إضفاء واجهة مدنية على بنية الحكم القائمة.

فالحركة الإسلامية، وفق هذا التقدير، لا تحتاج إلى الجلوس على مقاعد الحوار باسمها كي تكون حاضرة، يكفي أن تملك نفوذا داخل الأجهزة التي تحمي المؤتمر، والسلطة التي تموله، والمؤسسات التي ستنفذ مقرراته.

ولخص ياسر عرمان هذا التخوف بعبارة لاذعة، قائلا إن حوار الخرطوم، حتى إذا بدأ بالاستشهاد بالصحفي الإسلامي حسين خوجلي، فقد ينتهي بتلاوة أمين عام الحركة الإسلامية علي كرتي لمقرراته.

سبق لنظام عمر البشير أن استخدم الحوار السياسي أداة لإعادة إنتاج سلطته، فقد دعا إلى “حوار الوثبة” في 2014، ووعد بفتح المجال العام واستيعاب المعارضين، لكنه انتهى إلى توسيع قاعدة المشاركين في النظام من دون تغيير طبيعته أو تفكيك مؤسساته أو معالجة أسباب الحر.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *