تصعيد الكونغرس الأمريكي والبيت الأبيض ضد الإمارات، وما يحدث من مفاوضات متجددة، يثير تساؤلات حول دوافع هذه التحركات ودلالاتها. يُنظر إلى أي زيادة في الضجيج الإعلامي والدبلوماسي والقانوني من جانب السودان، على أنها قد لا تكون مفيدة، بل قد تكون عملية “دا شغل داير ليه جكة ويس”، وليست مجرد ابتسامات وتصفيق حكومي، خاصة وأن ما يحدث من تلقاء نفسه قد لا يعيق المخطط المعادي للسودان، بل قد يكون مساعداً له، في حال وجود توظيف مضاد.
يتمحور طلب الإمارات المستمر من أمريكا، الذي أبرز في زيارة ترمب الأخيرة للخليج، حول تحويل الإمارات لمركز الشرق الأوسط للذكاء الاصطناعي وتخزين البيانات، حيث عرضت الإمارات مبلغاً يصل إلى عشرة أضعاف صفقة السلاح التي تعطلت سابقاً.
في هذا السياق، تُشير المعلومات إلى أن تعطيل صفقة الأسلحة الأمريكية بقيمة 23 مليار دولار، التي شملت طائرات F-35 ومسيرات، جاء من جانب الإمارات وليس الكونغرس والشيوخ، وذلك في عام 2021 وحتى بعد اتفاقيات أبراهام، بسبب القيود الفنية الأمريكية التي تفرضها، والتي تجعل البيع بمثابة “إيجار مؤقت” مع عقد تشغيل، وتُحدد التحديثات البرمجية بواسطة أمريكا بشكل منفرد، كما تفرض قيوداً على أماكن الطائرات ومن يمكن لمسافة 10 أميال منها، مما أجبر الإمارات على قطع علاقتها التكنولوجية مع الصين. وفي عام 2024، قبل زيارة ترمب، أعلنت الإمارات أنها لن تعيد فتح المفاوضات، وأنها تريد رقاقات الذكاء الصناعي الأكثر تطوراً. ويرى مراقبون أن تحويل الإمارات إلى مركز للبيانات وعقل الذكاء الصناعي يفرض تعاوناً أمنياً أعمق مع أمريكا، مما يجعل الإمارات – أمنياً – ولاية أمريكية، وهو ما تريده تل أبيب.
وتُشير التحليلات إلى أن الإمارات تحتاج حالياً من الأسلحة إلى منظومات دفاع جوي محددة وليست كلها، ولذلك أي حديث عن حظر مسيرات أو ذخائر أو مروحيات أو منصات إطلاق، لأن كل الأنواع الأخرى لمنظومات التشويش في الدفاع الجوي قابلة للتعويض، والمشكلة تكمن في منظومة باتريوت وأشباله. وقد تكون المشكلة محلولة إذا دخلت الإمارات ضمن القبة الحديدية، وموافقة أمريكا على تطويرها لصالح إسرائيل، وبذلك لا يضايق أبوظبي الحظر عليها، بل على تل أبيب، وهذا هو الخيار الحالي للإمارات.
وفي ديسمبر 2023، عندما تحرك الكونغرس واصدر السفير الأمريكي بياناً، وكذلك المتحدث في الخارجية الأمريكية، وجاءت مذكرة عشرة نواب من الكونغرس تصوب الاتهامات نحو الإمارات بتسليح المليشيا، ثم دخل الجنجويد مدني، فإن كل هذه التحركات جاءت بنفس اليوم تقريباً، بساعات معدودة، قبل أو بعد.
وقد تم شرح الميكانيزم الداخلي الأمريكي الذي يفرض على نواب الكونغرس والشيوخ إظهار الرفض والسخط والقيام بخطوات محسوبة ومتفق عليها لذر الرماد في العيون، حيث أن أي نائب أو سيناتور لديه سجل أداء وتصويت يؤثر في إعادة انتخابه والمواقع المستقبلية له، وعليه القيام بشيء ما. فلو قيل له سيقتل عشرة آلاف سوداني غداً في مدني أو الفاشر أو الأبيض أو أمدرمان أو الدبة، فإن تحركه ليس بهدف منع القتل، بل منع أي تأثير للقتل على سجله السياسي الشخصي، ولو وضعت الصيغة المرضية له، فإنه سيرحب بمرور إسرائيل في السودان، (اتفضل قشة ما تعتر ليك).
والصيغة المرضية هي ما يصفق له السذج، فإذا أصدرت الخارجية السودانية بياناً للترحيب، فإن ذلك سيضع السيناتور الورقة في سجله، وسيكون له صك براءة انتخابي وقانوني من دماء السودانيين، مرفق مع قرار الكونغرس، ولن يستطيع أي شخص في لجنة تحقيق أو حتى محكمة أن ينتقده بالتقصير وعدم منع مذبحة ارتكبت بسلاح بعضه أمريكي، ودفاعه سيكون بأن السودان شكره. لذلك فإن بيان الترحيب بلا ثمن غالي جداً، والسياسة فيها بيع لا أغالط، لكن عندما تبيع الدم لا تطلب مجرد فيزا حضور مؤتمر أممي.
وفي هذا السياق، يشار إلى أن السماسرة وشركات اللوبينغ والدول الصديقة والبهلوانات المستفيدين منها، سيدعون إنجازاً كبيراً وحاسماً وينتظرون الشكر والثناء من رئيس مجلس السيادة والوزراء على إنجازهم التاريخي في أصدار قرار خطير من الكونغرس والشيوخ. وشركات اللوبينغ تخدم الطرف الأمريكي لتوفير الصيغة المرضية له، والدول الصديقة تتقرب لأمريكا بأن السودان ضمن وكالتها وأنه يقبل بقسمته ونصيبه في الموت الزؤام بفضل نفوذها ووصايتها. أما البهلوانات والوسطاء، فإنهم يحلمون ليس بعزة السودان وأبرار قسمهم له، بل بشراء شقق وفلل والاقامات الذهبية وتعزيز مشاريع الهجرة الخاصة بهم وبأسرهم، لذلك فالأفضل لهم تخدير القيادة وتضليلها، حتى لو كانت هي الهدف التالي.
رغم هذا، فإن ما يحدث دائماً هو مادة للتوظيف الإعلامي والدبلوماسي والقانوني، وهذا يمكن أن يحدث ويعزز موقف السودان، إذا درست القيادة الأمر جيداً واعدت له عدة، وليس بيانات الترحيب وشيكات شركات اللوبينغ.









