بينما حذر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من “عواقب غير مسبوقة” إذا امتنعت إيران عن المشاركة في التفاوض، أكد الإعلام الرسمي الإيراني نفي مغادرة أي وفد إلى باكستان حتى اللحظة الأخيرة، فيما أشارت تسريبات من “وول ستريت جورنال” و”نيويورك تايمز” إلى نية طهران إرسال فريق بقيادة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف للمفاوضات. ويثير هذا المشهد الملتهب تساؤلات حول ما إذا كان العالم أمام سلام دائم أم مجرد هدنة هشة لإدارة أزمة متفاقمة.
في هذا السياق، تطرح وجهات نظر نخبة من المحللين أسباب صراع خفي بين أجنحة السلطة في إيران قد يكون الفيصل في كسر مسار التفاوض أو إنجازه. ويشير المحللون إلى أن الوضع الإيراني يواجه أزمة حقيقية، وأن النظام يعاني من حالة ضعف شديدة ومخاطر شديدة وانقسام داخلي قد يواجهه في حال لم تتوقف الحرب بشكل كامل. وبالتالي، يهدف السعي الإيراني إما إلى بلوغ الحد الأقصى من المكاسب لتقديمها للجمهور كإنجاز، أو الحد الأدنى الذي يمكن القيادة من القول “لم ننكسر”.
ويرى أن المفاوضات القادمة ستشهد تنازلات من الطرفين، لكن الاتفاق المرتقب لن يكون شاملاً لإنهاء الأزمة، بل “اتفاق على أن نستمر في محاولة الاتفاق”، وأن الهدف الرئيسي لهذه المفاوضات ليس إيجاد حل شامل ومستقر، بل هو “شكل من أشكال إدارة الأزمة دون الوصول إلى حل”. كما يقدم المحللون تشريحاً دقيقاً لبنية السلطة في إيران، واصفين إياها بـ”الهرمية”، مؤكدين أن هذا النظام أصيب بضربات قوية وبانهيار تقريبي نتيجة مقتل قيادات الصف الأول، غير أن طابعه الهرمي منحه قدرة على الاستمرار.
ويحدد المحللون ثلاثة تيارات رئيسية داخل منظومة السلطة الإيرانية: الحرس الثوري الذي يعتبره المحللون “القوة الأكبر والأكثر تأثيراً” في المرحلة الراهنة باعتباره اللاعب الرئيسي في المعارك، والجدير بالملاحظة أن هذا الحرس ينقسم داخلياً بين عنصر نفعي مصلحي يدفع نحو وقف الحرب، وعنصر أيديولوجي عقدي يرى في الاستمرار واجباً دينياً حتى وإن أفضى إلى “كربلاء جديدة”. أما التيار الثاني فيتمثل في المفاوضين السياسيين من أمثال عباس عراقجي وقاليباف، وهم “مجموعة قادرة على المناورة، تفهم العالم وتحاول الوصول”، ويرون أن مصلحة البلد تكمن في استمرار النظام بأي شكل. أما التيار الثالث فهو المرجعية الدينية التي أصيبت بضربة موجعة بوفاة خامنئي، في حين يبقى المرشد الجديد “مجهول الملامح”.
ويؤكد المحللون أن هذه الاختلافات الداخلية لا ترقى إلى مستوى الصراع المفتوح، لكنها توظف في خدمة “لعبة التفاوض” ليبدو الموقف الإيراني متشعباً ومعقداً أمام الطرف الأميركي. كما يرى الباحث السياسي عايد المناع أن إيران “تعرف تماماً أنها في وضع ضعيف وأنها ستواجه مساءلات جماهيرية” حول سبب عجزها عن الوقوف بمستوى المواجهة بعد كل ذلك التسليح والإنفاق الخارجي، وأنها تحاول أن تظهر أنها “ليست على عجلة من أمرها” للانتقال إلى إسلام آباد، وتستثمر الوساطة الباكستانية لكسب سمعة طيبة كوسيط للسلام بين أكبر قوة في العالم وأكبر قوة في الإقليم.









