يطرح النقاش حول مطار الخرطوم الجديد قضية تتطلب مناقشة هادئة ومسؤولة، مع التركيز على المستقبل بعيد المدى، وليس فقط الظروف الراهنة. الجوهر ليس اختياراً بين مطار قديم أو جديد، بل سؤالاً أعمق: أي سودان يُراد بناءه بعد انتهاء الحرب؟
إذا اقتصرت الرؤية على استعادة الوضع السابق، قد يكفي ترميم المطار الحالي. لكن إذا كان الهدف إعادة بناء الاقتصاد السوداني ودمجه بالاقتصاد العالمي، يصبح مطار الخرطوم الجديد مشروعاً وطنياً استراتيجياً لا غنى عنه.
لم تعد المطارات في الاقتصاد الحديث مجرد مرافق نقل، بل أصبحت محركات للنمو الاقتصادي، ومراكز لوجستية، ومدن اقتصادية متكاملة، ونقاط جذب للاستثمار والتجارة والصناعة والسياحة. وهذا ما دفع الدول لتنافس في بناء مطارات عملاقة حتى لو كانت مطاراتها الحالية تعمل بكفاءة. مثال على ذلك، لم يكن الدافع لإنشاء مطار بيشوفتو الجديد في إثيوبيا فشل مطار أديس أبابا الحالي، بل الإيمان بأن النمو المستقبلي يحتاج إلى بنية تحتية تسبق الطلب.
السودان يمتلك مقومات تجعله أولى بتبني هذا التفكير، فهو يقع في قلب القارة الإفريقية، ويتوسط مسارات جوية مهمة، ويملك مساحات شاسعة تسمح بإنشاء مدينة مطارية متكاملة. بالمقابل، أصبح مطار الخرطوم الحالي أسيراً لموقعه داخل النسيج العمراني للعاصمة، ويعاني من تحديات متنوعة لا يمكن معالجتها بالترميم أو التوسعة، كما يعتبر عائقاً أمام التوسع الحضري. وإعادة تأهيله يجب أن تكون حلولاً انتقالية مؤقتة، لا بديلاً عن المشروع الاستراتيجي الجديد.
ينبغي النظر إلى مشروع المطار الجديد كاستثمار اقتصادي متعدد الآثار، قادر على تحويل السودان إلى مركز إقليمي للشحن الجوي، وإنشاء منطقة حرة ولوجستية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وزيادة العائدات، وتوفير آلاف الوظائف، ورفع قيمة الأراضي المحيطة، ودعم الصادرات السودانية. الأثر الاقتصادي الحقيقي لا يقاس بعدد المسافرين، بل بما يولده من أنشطة اقتصادية مصاحبة.
رغم الظروف الاقتصادية الحالية، تثبت التجارب الدولية وجود نماذج تمويل ناجحة، مثل BOT (البناء- التشغيل-التحويل) و الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، التي تتيح جذب رؤوس أموال وخبرات دون الاعتماد الكلي على الموازنات الحكومية.
ينبغي أن ينظر السودان للمشروع كفرصة إقليمية، واستغلال العلاقات مع الصناديق العربية والافريقية والبنوك الإسلامية والأفريقية وصناديق الثروة السيادية والشركات العالمية. طرح المشروع في مؤتمر دولي للمستثمرين بعد إعداد دراسة جدوى احترافية يمكن أن يسهل الحصول على التمويل.
قدرتنا الحديثة للمطارات تتجاوز المدارج والصالات لتصبح مدناً اقتصادية ذكية تضم مناطق صناعية ولوجستية وحرة وأنظمة رقمية متقدمة. هذا هو النموذج الذي يجب أن يسعى السودان لتحقيقه.
إعادة إعمار السودان بعد الحرب يجب أن تكون تأسيساً لما ينبغي أن يكون، وليس مجرد إعادة لما كان. مطار الخرطوم الجديد ليس مشروعاً ترفيهياً أو رمزياً، بل استثماراً استراتيجياً طويل الأجل في مستقبل السودان الاقتصادي ومكانته الإقليمية. الدول التي تفكر بعقلية المستقبل لا تسأل عن تكلفة المشروع، بل عن تكلفة الفرصة الضائعة إذا لم تنفذ. والواجب اليوم ليس التراجع عن المشروع، بل إعادة صياغته وفق أفضل الممارسات وتأمين تمويله لينضم إلى أكبر مشاريع النهضة الاقتصادية في السودان.









