Home / سياسة / مجلس التنسيق السعودي-السوداني: من الإطار الدبلوماسي إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة

مجلس التنسيق السعودي-السوداني: من الإطار الدبلوماسي إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة

مجلس التنسيق السعودي-السوداني: من الإطار الدبلوماسي إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة

قال الكاتب السعودي سليمان العقيلي عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية إن مجلس التنسيق السعودي-السوداني الذي تم توقيع وثيقة إنشائه في الرياض بين وزيري الخارجية في البلدين الأمير فيصل بن فرحان ومحيي الدين سالم ليس مجرد إطار دبلوماسي تقليدي بل منصة مؤسسية شاملة تهدف إلى إدارة 10 ملفات استراتيجية كبرى تعكس عمق الشراكة بين البلدين ورغبتهما في الانتقال من الدعم السياسي والإنساني إلى شراكة استراتيجية واقتصادية واستثمارية طويلة الأمد.

ونوه العقيلي في مقال نشره إلى أن الملفات العشرة التي يغطيها المجلس تشمل إعادة إعمار السودان والزراعة والأمن الغذائي والثروة الحيوانية والذهب والتعدين والبحر الأحمر والموانئ والطاقة والكهرباء والتمويل والمصارف والصناعة والتصنيع الغذائي والاتصالات والتحول الرقمي والسياحة والعقار والخدمات.

وأشار إلى أن السودان يحتل موقعا فريدا يجعله أحد أهم المفاتيح الإستراتيجية في المنطقة: الدولة العربية التي تطل على البحر الأحمر ونهر النيل في آن واحد والتي تربط بين القرن الأفريقي والصحراء والساحل والعمق العربي وتحد 8 دول أفريقية وعربية. هذا الموقع يجعل من السودان جسرا طبيعيا بين العالم العربي وأفريقيا وبوابة بحرية حيوية على البحر الأحمر وعقدة مائية إستراتيجية على نهر النيل.

وأضاف العقيلي أن دولة بهذا الموقع إن تفككت تفتح صدعا جيوسياسيا يمتد تأثيره من حوض النيل إلى مضيق باب المندب ومن الساحل الأفريقي إلى شبه الجزيرة العربية. تجربة اليمن القريبة أثبتت بوضوح كيف أن انهيار دولة مطلة على البحر الأحمر يمكن أن يحول مضيقا بحريا حيويا مثل باب المندب من ممر تجاري آمن إلى ساحة تهديد مباشر للملاحة العالمية.

وقال إن المملكة التي دفعت ثمنا باهضا من أمنها واقتصادها نتيجة الحرب في اليمن أدركت أن أمن الممرات المائية لا يُصان بحراسة الممرات وحدها بل باستقرار الدول التي تحتضن سواحلها.

ونوه إلى أن البحر الأحمر لا يعترف بالحدود السياسية كما ترسمها الخرائط بل يفرض على كل دولة تطل عليه مصيرا مشتركا مع جاراتها على الساحل المقابل. حين تهتز الضفة الغربية لهذا البحر لا تبقى الضفة الشرقية بمنأى عن الهزات. هذا قانون جيوسياسي صارم عرفه المملكة العربية السعودية جيدا عبر عقود من التعامل مع أزمات القرن الأفريقي واليمن كامتداد مباشر لأمنها الداخلي.

من هذا الفهم العميق للجغرافيا كقدر مشترك يجب أن تُقرأ وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السعودي-السوداني التي تم توقيعها في الرياض 17 أغسطس/آب 2026. إنها تجسيد مؤسسي لقناعة سعودية راسخة: أن استقرار السودان الموحد شرط لا غنى عنه لاستقرار المملكة نفسها وأن انهيار السودان أو تفتته سيتحول حتما إلى أزمة أمن قومي سعودي.

وأشار إلى أن العلاقات بين البلدين لم تتعرض لأزمات حادة واتسمت بحقيقة تاريخية فريدة: أنها لم تشهد في تاريخها أي أزمة سياسية بين الدولتين أو الشعبين وكان هناك تقدير متبادل بينهما. هذه العلاقة الاستثنائية المتجذرة في الروابط الدينية والثقافية والاجتماعية جعلت من البلدين نموذجا نادرا للعلاقات العربية-العربية التي صمدت أمام كل العواصف الإقليمية.

وذكر أن المملكة احتضنت السودانيين في كل المحن؛ في فيضانات النيل والكوارث الطبيعية وفي أزمات البلاد وحروبها الأهلية مما شكّل نسيجا من الروابط الإنسانية التي تتجاوز المصالح السياسية الضيقة. هذا الرصيد التاريخي الفريد هو ما جعل الوساطة السعودية عند اندلاع الحرب مرحبة بها من طرفي النزاع حيث بذلت منصة جدة جهودا لتخفيف الصراع والتعامل مع الأزمة الإنسانية.

وقال إن الموقف السعودي الحالي تجاه السودان ليس مجرد حسابات إستراتيجية أو سياسية باردة بل امتدادا طبيعيا لعلاقة عاشت في القلوب قبل أن تُترجم إلى مؤسسات واتفاقيات.

وأشار إلى أن المنطقة العربية تشهد مشاريع التفتيت الممنهجة التي استهدفت دولا مركزية مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال حيث تحولت كيانات كانت فاعلة في المعادلة الإقليمية إلى ساحات صراع مفتوحة تديرها أطراف إقليمية ودولية عبر وكلاء محليين. السودان بثرواته الهائلة وموقعه الحيوي الذي يربط بين العالم العربي وأفريقيا العميقة كان دوما هدفا مثاليا لمثل هذا المشروع التقسيمي.

وحين تتحرك المملكة لدعم مسار يحافظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية فإنها تسهم موضوعيا في إفشال حلقة من حلقات هذا المخطط الذي يستهدف الجسم العربي بأكله. كل دولة عربية تُصان من التفتت هي هزيمة إضافية لهذا المشروع وكل دولة تخضع له هي انتصار يشجّع على تكراره. من هذا المنظور فإن الاستقرار السوداني معركة عربية جامعة والمملكة تجد نفسها في موقع الدولة القادرة على قيادة هذه المعركة دفاعا عن مشروع عربي جامع لا يحتمل خسارة حلقة أخرى.

ونوه إلى أن أمن الممرات المائية الكبرى ليس نتاج حراسة عسكرية للممر وحده بل نتاج قوة واستقرار الدول التي تحتضن سواحله. بحر أحمر تطل عليه أو تحيط به دول هشة أو منهارة أو مخترقة من قوى غير نظامية هو بحر أحمر غير آمن مهما بلغت القدرة العسكرية للدول الكبرى المطلة.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *