قدم كل من كبير الباحثين في المجلس الأطلسي بواشنطن، سمير التقي، والباحث السياسي سام منسي، قراءتين مختلفتين للمشهد اللبناني وما يحيط به من تطورات.
اعتبر سمير التقي أن لبنان يقف أمام ما وصفه بـ”فرصة حدية صعبة جداً”، مشيراً إلى وجود مجموعة من العوامل الإقليمية والدولية التي قد تتيح فتح أفق جديد أمام البلاد. قال التقي إن “عددا من النجوم اجتمعت بما يسمح لنا بأن نقول إن ثمة أفقاً يجب استثمارها”، مضيفا أن الرئيس اللبناني يدرك، وفق قراءته، أن المرحلة الحالية “لحظات حاسمة”. لكن التقي حذر في الوقت نفسه من وجود ما سماها “قوى مفسدة” على جانبي الصراع، موضحا أن ” حزب الله يريد إفساد هذه العملية”، إلى جانب وجود “متطرفين في إسرائيل ” قد يعملون على تقويض أي اتفاق محتمل. ورأى أن الخطر الرئيسي يتمثل في سعي إسرائيل إلى “تثبيت واقع معين” يمنحها هامشا للعودة إلى الحرب مستقبلا إذا لم تتوافق التطورات مع مصالحها، معتبراً أن هذا التوجه يشكل التهديد الأكبر أمام فرص التهدئة.
بحسب التقي، فإن التحدي الأساسي أمام الدولة اللبنانية يتمثل في إدارة ملف السلاح في الجنوب وترسيخ سيادتها على هذا الملف، معتبرا أن المرحلة الراهنة تشكل اختبارا حقيقيا للطبقة السياسية اللبنانية ولمفهوم الدولة نفسها. وفي تقييمه لوضع حزب الله، قال التقي إن الحزب يعيش حالة “تشرنق”، معتبرا أن المبررات التي استند إليها خلال العقود الماضية فقدت الكثير من صدقيتها بعد الحرب الأخيرة. وأضاف أن قيادة الحزب “أحرقت أوراقها” وأوصلت لبنان إلى وضع كارثي من دون تحقيق مكاسب استراتيجية حقيقية، معربا عن اعتقاده بأن الحل يكمن في منع الانزلاق إلى حرب أهلية والعمل على إعادة دمج المقاتلين وصياغة عقد وطني جديد.
وعن الدور الأميركي، رأى التقي أن واشنطن لا تسعى إلى حل جذري للصراع بقدر ما تعمل على “تبريد الساحة اللبنانية” وإبعادها عن دائرة التوتر الإقليمي. وأشار إلى أن الإدارة الأميركية تنظر إلى الملف اللبناني باعتباره ورقة يمكن أن تؤثر في ملفات أخرى، خصوصا المفاوضات المرتبطة بإيران، معتبرا أن الرئيس دونالد ترامب يفضل حاليا تجنب أي تصعيد إقليمي واسع قد يعرقل حساباته الاستراتيجية. كما أكد أن الاتصالات الأميركية غير المباشرة مع حزب الله ليست جديدة، لكنه رأى أن هناك مجالا لمقايضات سياسية وأمنية قد تسهم في خفض مستوى التوتر خلال المرحلة المقبلة.
في المقابل، أبدى الباحث السياسي سام منسي تشككا واضحا حيال فرص نجاح المفاوضات، متسائلا عن أسباب التفاؤل الذي عبر عنه التقي. اعتبر منسي أن الإدارة الأميركية تبدو أكثر اهتماما بإطلاق المفاوضات واستمرارها من اهتمامها بضمان نتائجها الفعلية، مشيرا إلى أن واشنطن تسعى إلى إظهار وجود مسار تفاوضي قائم حتى لو كانت فرص نجاحه محدودة. وأوضح أن هناك 3 عوامل رئيسية تعيق التوصل إلى تسوية، تتمثل في الأوضاع الداخلية اللبنانية، والتشابك بين الملف اللبناني والصراع الإيراني الأميركي الإسرائيلي، إضافة إلى الهواجس الأمنية الإسرائيلية المرتبطة بمستوطنات الشمال. وقال إن الهدف الأميركي يتمثل في فصل المسار اللبناني عن الملفات الإقليمية الأخرى، معتبرا أن هذا الفصل تحقق “شكليا لا مضمونيا”.
ورأى منسي أن أي اتصالات أميركية مع حزب الله تمنحه زخما سياسيا جديدا وتعيده لاعبا أساسيا في المشهد اللبناني، معتبرا أن ذلك يمثل انتكاسة لمساعي الدولة في حصر الشرعية بيد المؤسسات الرسمية. وأضاف أن التركيز الأميركي والإسرائيلي ينصب بشكل أساسي على أمن المستوطنات الشمالية، من دون إيلاء الاهتمام الكافي للتداعيات المحتملة على الداخل اللبناني، محذرا من أن نقل الجماعات المسلحة إلى شمال الليطاني قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة وفتح الباب أمام اضطرابات جديدة. وأكد منسي أن الجيش اللبناني يمتلك القدرات العسكرية واللوجستية اللازمة، لكنه يواجه قيودا سياسية تعرقل أداءه، مشددا على أن الحل يبدأ من الداخل اللبناني عبر تشكيل جبهة وطنية عابرة للطوائف قادرة على استقطاب دعم عربي ودولي وإعادة توجيه المفاوضات نحو إنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل.
وبين تفاؤل التقي الحذر وتشاؤم منسي المدعوم بالمعطيات الداخلية، يبقى لبنان أمام لحظة مفصلية قد تحدد شكل المرحلة المقبلة، وسط رهانات متضاربة على قدرة المفاوضات الحالية في إحداث اختراق حقيقي أو الاكتفاء بإدارة الأزمة من دون حلها.









