متى تغضب كردفان؟ هذه هي سؤال يطرح نفسه في ظل الأحداث الجارية. فبعد أن أُستبيحت العروس، وطارحت مُسيّرات الموت في سماء الأبيض، بعد فاجعة دارحامد، تنتظر الخرطوم صمتها المريب.
ورغم ذلك، يبدو أن كردفان لم تغضب بعد. ففي الماضي، غضبت الجزيرة وأخرجت أثقالها، واسترخصت أبنائها أموالهم، وخرج كيكل وجنوده مقاتلاً شرساً حتى تحررت الجزيرة. ودفع رجال أعمال مجاهدون بأموالهم، مثل ابوضفيرة وسليطين وفضل محمد خير من سنار، وحتى تجار الدكاكين الصغيرة في تمبول والشبارقة والكاملين دفعوا المال من أجل تحرير الجزيرة. فأين أبناء كردفان وهم أكثر مالاً وعدداً، وفيهم ملايين الشباب القادرين على حمل السلاح ومواجهة المليشيا، رجلاً لرجلٍ، والقضاء على الأوباش في دار حمر، وجبال النوبة، ودار الريح، بعد تحرير شرق كرفان؟
ولكن، بكل أسف، تقاعست همم الرجال وآثر البعض الصمت، وتوارى آخرون وراء الحدود، وهم في انتظار الصيّاد يحرر لهم بارا أم لبخ، وجبرة الشيخ، وحمرة الوز، وعيال بخيت، وعنكوش حيث تمزق قلب بشير آدم رحمة. وتنتظرهم بابنوسة ولقاوة التي لم يحدث مستشار البرهان يوماً نفسه باستنفار شباب المسيرية لتحرير أرضهم، وصحيح أن المستشار الدبيلو مثقّف ويقدّم خيارات للبرهان في اتخاذ القرارات الحاسمة، لكنه لم يقدّم لكردفان إلا حوالي مليون دولار كسلفية مستردة لإطعام أهل كادقلي حينما ضاقت بهم الأرض.
فأين رجال المال القادرين على شراء الطائرات المُسيّرة من أجل أرضهم وعرضهم؟ ماذا ينقص من مال رجل الأعمال إبراهيم بشير أمونيا إذا دفع ثمن ثلاثة طائرات بريقدار؟ وهل رجل أعمال كبير مثل عادل الدقرشي يعجزه شراء عشرة عربات تاتشر؟ وفي الرهد هناك آل رحمة الله والرشيد أبكر، ومحمد عبدالله حموده وغيرهم، الذين تعجز النار عن إلتهام ثروتهم.
وفي شيكان جموعه، وأحمد محمد خير، وأبناء تمبول وبربر، وبشير عشي، وأثرى الأثرياء فضل معيتيق، وفي بارا الرجل الثري عبدالمنعم بكري أبوروان، وعثمان عبداللطيف حبيب، والدكتور الأمين نمر، فضلاً عن بشير الكارس أكبر شريك لحميدتي قبل الحرب في تجارة الذهب، وعثمان محمد الحسن أو عثمان ميكو، وهشام السوباط من العباسية تقلي، ومن الدلنج ناصر هارون وحافظ جلد وأولاد أبوقرجة وآل مكي الصادق في لقاوة، والرجل الفخم الضخم أحمد أبو شعيرة من المجلد، ورجل الاعمال المرموق حسن صباحي، وحسين حمدي.
وفي دارحمر هناك المئات من تجار الماشية والفول والصمغ العربي، وحب البطيخ، ومصدري الضأن الحمري من النهود والخوي، السعاتات، وهؤلاء قادرون على شراء مائة طائرة مُسيّرة من طراز أكانجي تركية أو طائرات صينية متطوّرة، والف سيارة لاندكروزر، والف مدفع، ولايعجز أي ممن أشرنا إليهم بالأمس دفع خمس مليون دولار، ولكن هل قرأ هؤلاء سيرة سيدنا عثمان ابن عفان، وقد أوقف نصف ماله لوجه الله تعالى، فقال النبي (صلي) قولته المشهورة: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم) فهل قرأتم سيرة ابن هشام وكيف كان أثرياء الصحابة، وعامة المسلمين يقدمون المال لإعداد الجيوش، وأي قيمة للمال ليكتنز في الخزائن، والحسابات المرصّعة بالدولار في المصارف، والأرض محتلة والعرض منتهك والمال منهوب، وعربان الشتات يسبون بنات العم، وتذهب بهن السيارات إلى الضعين ونيالا، ويسترقون بنات أعمامنا، ونتمني أنفسنا بمضاعفة أرصدتنا في المصارف، ولاتحدثنا أنفسنا بالجهاد بالمال، وهو مقدمٌ على الجهاد بالنفس.
صحيح أن المجتمع لن ينهض من غفوته إلا بوجود القيادة الملهمة لا القيادة المهملة، فلا حملة ناجحة لجمع المال إلا بوجود قادة مجتمع يثق فيهم الناس، لا موظفين من الضباط الإداريين، ومتقاعدي القوات النظامية، الذين فترت همتهم، وضعف جسدهم، وخارت قواهم، وأصبح بالغ همهم (لحاق السوق) وتحقيق طموحات عجزوا عنها في سنوات خدمتهم الطويلة، ليس بالضرورة أن يأتي البرهان بمن يكره من الرجال، ولكن هناك من يحبهم من السياسيين القادرين على حفز همم الناس استنفاراً للشعب الكردفاني، لتحرير أرضه وحماية عرضه، من أوباش آل دقلو.
خيّم الحزن العميق في بلد لم تفارقها الأحزان منذ سنوات، على أحياء مدينة الأبيض، في كل مربوع خيمة عزاء وفي كل حي نحيب وبكاء، على شهداء سقطوا ليلة الأربعاء وصباح الخميس بمسيّرات حميدتي، التي استباحت أجواء المدينة منذ الرابعة عصراً وحتي صباح اليوم التالي، حبست الحرائر بين الجدران والظلام يغطي المدينة وشبح العطش يلوح في الافق، وقد نضبت مصادر المياه الجنوبية وتوقف مشروع مياه بارا بعجز من جاء من بعد أحمد هارون قبل أن تدفن المليشيا المشروع برمته، وتعتبره من مخلفات دولة 56 ومن سوء تدبير الفلول الذين يتوجب إزالة آثارهم لا على طريقة ازالة آثار مايو، ولكن بقوة السلاح وقهر الرجال وغلبة القوة، وتفوق التكنلوجيا، وقد أصبح القتل يرسل من غرفة تحكم في أبوظبي، يديرها ضباط.
خبراء أمريكان بالمعاش، تعلمهم دولتهم وتغض الطرف عنهم كما قال دكتور عشاري محمود، وغرفة أخرى في نيالا يديرها ضباط مرتزقة من دولة كولمبيا، وحينما حملت أسرة أحد شهداء المدينة إلى مقابر دليل، لاحقهم حميدتي بصاروخ من طائرة مُسيّرة فقتل والد الشهيد وشقيقه، في مشهد مرعب، وأصبحت مقابر دليل في الأبيض وهي ثاني مقبرة بعد مقبرة ود ابوصفية، صارت مقبرة الشهداء، ودفن أهل المدينة فلذات أكبادهم ضحى الخميس في يومٍ حزين مثل يوم مجزرة شق النوم، حيث قتلت المليشيا “45” من أهلنا دارحامد، وعادت فقتلت “63” في قرية المُرة، وقبل أن تجف دموع ثكالي وباكيات دار الريح، جاءت فاجعة الأبيض التي تفوق كل الفواجع، بما في ذلك فاجعة أسرة الشيخ جبريل عمر، الذي تجاوز السبعين، أُصيب بحمي شديدة، فحملته أسرته من قرية التميت بعربة بوكس متهالكة، اعترض سبيلهم أشاوس الدعم السريع، وإثنان من بنات الشيخ يظللن بثيابهن والدهنَّ خشية الحر، واثنان من أحفاده على رجليه، وابنه يقود العربة، أمر الأشاوس تسليمهم مفتاح العربية، وكان البكاء والنحيب من البنات، فقال الأشوس دا ماشين بيهو وين؟ وهو محمول إلى المستشفى، قال الأشوس يجب أن ترتاحوا من التعب، فصوب بندقيته الي رأس شيخ جبريل حتى تطاير مشاش مخه في ثياب بناته، ولما همَّ ابنه بحمل عصاة، ضربه أشوس آخر فأرداه قتيلاً في الحال، ووضعت الجثث في قارعة الطريق وذهب الأبطال أشاوس الدعم السريع بالعربة.
ولم تغضب كردفان من قبل لما جرى في شق النوم، ولم تغضب للشهيد الناظر عبدالقادر منعم منصور، ولا لما حدث من اجتياح للنهود والخوي، ولا لمأساة المُرة، وتنتظر الحكومة التي لها أولويات غير أولويات أهل كردفان، ولها مايشغلها عن أمن الأبيض وأهل الأبيض، وخير شاهدٍ على ما نقول أن أي من مجلس السيادة ولا مجلس الوزراء ولاحتى وزارة الخارجية لم تصدر بيانات لتمسح بعض الحُزن من مقل الباكيات من بنات كردفان، ولم تصدر إدانة لسلوك مليشيا الدعم السريع، ولا حتى مطالبة المجتمع الدولي بالشجب والادانة، ولكن حكومتنا اسرعت الخطي تضامناً مع الكويت والبحرين لتعرّضهما لضربات ايرانية، لم يجرح في تلك الضربات ولا حتى عامل من البدون، ولم تسقط دانة في بيت أسرة كويتية، ولكن سقطت دانات أبوظبي على رؤوس أسرة زميلتنا مها التلب وهي واحدة من الصحافيات المقرّبات من بعض قادة دولتنا، وفجيعة البلاد إن حكومتنا باستثناء الفريق شمس الدين كباشي لم يكلف أحدهم نفسه مشقة السفر إلى أم بدة سوق ليبيا وتقديم واجب العزاء في شهداء قرية المُرة، وقد نصب أهل دارحامد خيمة كبيرة، ولكن قادة حكومتنا لايرون إلا مايحبه القلب، ومنذ أمس الأول الخميس وحتي الآن لم يواسي أهل الأبيض أحد، في جراحهم حتى خالد الأعيسر ومحي الدين سالم لاذا بالصمت، و كان مرجوا منهما الكثير ولكن !!.
أمام أبناء كردفان طريقٌ يبساً وشاقاً ومحفوفاً بالمكاره، ولكنه خيار من لا خيار آخر له، إلا القتال حتى يُطرد جيش الاحتلال من أم سنطه وأم بادر وشق الصهب ووادي شلنقو وكركراية الجميعية مسقط رأس الفريق الصادق اسماعيل عليه السلام، وتحرير أم دولو والسنجكاية، مهما بلغت التضحيات وتعاظم الثمن، وحينما تصبح الدماء ثمناً للوجود فإن أخوان الشهيد مهند الفضل قاتلوا بالكلاشنكوف المدفع الرباعي والثنائي، وإذا كانت قيادات من القوات المشتركة تعلن على رؤس الأشهاد أنها ستقاتل الانفصاليين حتى تبقى على السودان موحداً، فإن ماقاله الفريق بشارة سليمان نور يمثل نوراً في عتمة ليل الوطن الذي يمضي مسرعا نحو الانفصال لدولة عاصمتها نيالا، وأخرى عاصمتها الخرطوم. ومافشل فيه جون قرنق لأكثر من ثلاثين عاماً بلغه حميدتي في ثلاث سنوات، بعد أن تدفّق تحت أقدامه المال الإماراتي وأصبح يشتري في الناس كل بثمنه وحتى الحركة الشعبية التي يتململ مؤسسها يوسف كوة في قبره بمنطقة اللويرا بالقرب من كاودا غضباً على تحالف الحلو حميدتي ووضع جبال النوبة تابعة لحميدتي وجعل نيالا عاصمة لدولته التي يعمل فيها الحلو موظفاً !!.
ولكن متى يسأل أبناء النوبة أنفسهم عن مصير الملايين من أبناء النوبة وهم من صنع مجد الاستقلال، ومن سكبوا الدم في معارك الجيش السوداني الذي يمثل النوبة نصفه والنصف الآخر من بقية مكونات السودان، كيف تذهب إرادة الانفصال بكادقلي والدلنج لتصبح نيالا هي عاصمة الدولة الجديدة وكادقلي أعرق من نيالا وأكثر عمقاً ثقافياً وحضارياً. وفي كل يوم تدخل البلاد نفق التقسيم الذي له علامات صغرى اكتملت أشراطها، وعلامات كبرى، بدأت أيامها السود تظهر، وأبناء جبال النوبة في بورتسودان وعطبرة وأم درمان ومدني، أي مصير ينتظرهم؟ إذا مضى مشروع التقسيم الذي تلوّح به بعض قيادات العطاوة، ويتبعهم آخرون من الذين ينظرون أسفل أقدامهم.
إذا كانت الحركات ال









