تشير التقييمات الاقتصادية إلى أن السودان يقف على أعتاب اختلال اقتصادي كبير تتشكل ملامحه الآن تحت ضغط حرب الخليج، وارتفاع تكاليف الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، حيث تشير المؤشرات إلى موجة تضخم قاسية وضغوط غير مسبوقة على أسعار الغذاء وسعر الصرف.
وتقف الدولة في موقع المتفرج دون أن تبادر إلى استخدام أدواتها لاحتواء الأزمة، مما يعني أن التعامل مع المعضلة يتم بأساليب يومية قصيرة المدى بدلاً من التدخل السريع لإدارة الموارد الحيوية وتأمين الاحتياجات الأساسية.
وتحكم في مصير الاقتصاد السوداني حالياً ثلاثة عناصر رئيسية مترابطة: المواد البترولية، والذهب، والسماد. فالوقود ضروري لكل تفاصيل الحياة الاقتصادية، والذهب مصدر أساسي للعملة الصعبة، والسماد محدد حاسم في إنتاج الغذاء. أي خلل في أحد هذه العناصر يتحول فوراً إلى تضخم وانهيار في قيمة العملة وأزمة غذاء.
وتؤثر المواد البترولية بشكل حاسم في التضخم وسعر الصرف، حيث لا تزال تُدار بنفس السياسات الفوضوية والغير كفاءة. ومع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بسبب حرب الخليج، من المتوقع أن ترتفع تكلفة النقل والإنتاج بنسبة تتراوح بين 30 و40%. كما شهدت أسعار السماد ارتفاعاً حاداً وصل إلى 850 دولاراً للطن بعد أن كانت 400 دولار قبل الحرب، مما يهدد الموسم الزراعي القادم.
وستنعكس كل هذه الارتفاعات مباشرة على أسعار الغذاء، حيث تزداد تكاليف السماد والري والحصاد والنقل في آن واحد، مما يزيد الضغط على سعر الصرف بشدة.
وتقترح الحلول ضرورة تدخل الدولة بقوة لحماية الشعب، من خلال استيراد المواد البترولية وتسويقها مباشرة لشركات التوزيع بسعر التكلفة لتحجيم التضخم، وضمان أن لا يتجاوز سعر الوقود مستويات معقولة مقارنة بالمناطق المجاورة. كما يجب منح القطاع الزراعي أولوية مطلقة في الحصول على الوقود والسماد بسعر التكلفة دون فرض الرسوم الحالية، بدلاً من استنزاف الموارد من جيب المواطن.
وفيما يتعلق بالتمويل، تشير التقديرات إلى أن السودان ينفق سنوياً نحو 2.3 مليار دولار على استيراد المواد البترولية والأسمدة، في مقابل إيرادات ذهبية تقدر بنحو 1.5 مليار دولار. إن التساؤل الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت الدولة فعلاً قادرة على تأمين احتياجات شعبها الأساسية من خلال توجيه هذه الموارد لاستقرار العملة وتأمين الغذاء، أم أنها ستكتفي بالفرجة على الأحداث. وتشير المؤشرات الحالية إلى تسارع نحو الأسوأ، إلا أن الوقت لا يزال متاحاً للتدخل.









