دنقلا، الولاية الشمالية – في قلب منطقة تنقسي الهادئة، حيث النيل يداعب رمال الصحراء، استيقظت البلدة على فاجعة هزت أركانها، جريمة قتل بشعة طالت الطفل محمد مرتضى أحمد بادناب، ذي الستة أعوام. لم يكن محمد مجرد طفل، بل كان رمزاً للبراءة، وجهًا مألوفًا في مسجد الحلة، وصوتًا يعشق صلاة الجماعة. اختفاؤه المفاجئ قبل أيام قلب حياة القرية رأسًا على عقب، لتتحول عمليات البحث المضنية إلى صدمة لا يمكن تصورها.
المأساة، التي وقعت تحديدًا في قرية “حمور” التابعة لمحلية الدبة، كشفت عن تفاصيل مروعة. الجناة، ويا للمفارقة، هم أبناء عمومة والد الضحية، في منطقة اشتهرت على الدوام بتماسكها الاجتماعي القوي. جريمة بهذا البشاعة لم يشهدها هذا الجيل، بل تكاد تكون غريبة حتى على ذاكرة كبار السن.
القصة بدأت عندما اختفى الطفل محمد، ليتبعه بحث محموم من الأهالي. لم تترك القرية شبرًا إلا وبحثت فيه، لكن دون جدوى. إلى أن جاء يوم السبت المشؤوم، ليُعثر على جثة الطفل مدفونة داخل منزل أحد المتهمين. فورًا، تحركت الشرطة، وقامت بتوقيف عدد من الأشخاص، بينهم نساء، وجميعهم من أقارب الطفل. فريق الأدلة الجنائية بالولاية الشمالية باشر عمله، وتم نقل الجثمان إلى مشرحة دنقلا بناءً على أوامر النيابة العامة.
تشير التحقيقات الأولية إلى أن الطفل استُدرج إلى المنزل، حيث تم خنقه وكتم أنفاسه، بحسب التقرير الجنائي. المشهد كان مؤلمًا، والجثة الصغيرة مدفونة في حفرة سطحية داخل فناء المنزل، مغطاة بالتراب في محاولة بائسة لإخفاء الجريمة.
لكن ما الدافع وراء هذا الفعل الشنيع؟ هنا تظهر تفاصيل أكثر غرابة. وفقًا لروايات الأهالي، كانت زوجة عم الطفل، تعاني من حالة نفسية سيئة بعد وفاة ابنها الوحيد. الشكوك والوساوس تملكتها، وكانت تتهم والدة محمد بأنها “سحرتها”، أي أصابتها بالعين، مما ولد لديها كراهية تجاهها وتجاه الأطفال بشكل عام. يوم الجريمة، يُقال إنها أرسلت محمد إلى الدكان ليجلب لها “مكرونة”، ومنذ ذلك الحين، اختفى الطفل.
مع استمرار الغياب، تفاقم القلق، وقرر الأهالي إبلاغ الشرطة بفقده. ثم اتخذوا قرارًا جريئًا: تفتيش جميع المنازل، دون استثناء، حتى منازل الأقارب. عندما وصل التفتيش إلى منزل عم الطفل، رفض السماح بالدخول، بحجة أنه “ابن أخيه”. هذا الارتباك والتخوف أثارا الشكوك، وتدخلت الشرطة لحصار المنزل. عندها، قرر الأهالي الاستعانة بالكلب البوليسي.
الكلب البوليسي، المدرب على اقتفاء الأثر، قاد المحققين إلى عدة مواقع، حيث يعتقد أن الجناة حاولوا دفن الجثة. لكن طبيعة الأرض الصخرية وعدم وجود أدوات مناسبة حالت دون ذلك، ليقرروا في النهاية دفن الطفل داخل منزلهم. عندما وصل الكلب إلى منزل العم، كانت تلك هي اللحظة الحاسمة. رفض الكلب الابتعاد، مؤكدًا وجود شيء مريب. عندها، اكتشفت الشرطة مكان الجثة، وتكشفت خيوط الجريمة البشعة.
للأسف، لم يسلم الأمر من محاولات البعض لاستغلال المأساة. انتشرت شائعات تتحدث عن خلافات على الميراث، أو حتى عن جريمة اغتصاب. بل ذهب البعض إلى ربط الجريمة بمعسكر النازحين. لكن هذه الشائعات سرعان ما تم دحضها من قبل أهل القتيل أنفسهم، الذين أكدوا أن الجريمة معزولة وفردية، ولا علاقة لها بأي تنظيم أو مجموعة أو متفلتين، ولا تمت بصلة بالمجتمع المحلي المعروف بتماسكه.
أصدرت أسرة الطفل بيانًا للرأي العام، أوضحت فيه أن محمد عُثر عليه مقتولاً ومدفونًا داخل منزل ابن عمهم، وأن سبب الوفاة هو الخنق، ولا يوجد أي أثر للاغتصاب. كما تقدمت الأسرة بالشكر لكل من واساهم في مصابهم، مؤكدة أن دعمهم يخفف عنهم ثقل الفاجعة، ومطالبة بتحقيق العدالة لابنهم.









