Home / سياسة / رشان أوشي تدعو للعفو عن نساء سودانيات ضحايا ظروف الحرب والفقر

رشان أوشي تدعو للعفو عن نساء سودانيات ضحايا ظروف الحرب والفقر

رشان أوشي تدعو للعفو عن نساء سودانيات ضحايا ظروف الحرب والفقر

كتبت رشان أوشي- رجاءً إلى فخامة الرئيس: سئلت عن سبب تجاهلي لحملة إعلامية ممنهجة شنها عناصر من الحركات المسلحة، تستهدف السخرية من آثار السجن على جسدي وبشرتي. رديت مقتضباً: أنا كاتبة صحفية وليست “عارضة أزياء”. أطلب من الجمهور قراءة ما يخطه قلمي، فأدواتي في الحياة هي الكلمة، والقلم، والحقيقة العارية، وليست جسدي أو بريق بشرتي.

نعود بالذاكرة إلى الأيام (43) التي قضيتها في سجن بورتسودان المحلي؛ حيث تتمازج مرارة سلب الحرية بالمآسي المجتمعية القاسية. سيدات في مقتبل العمر، بسيطات في تفكيرهن وتطلعاتهن، قمة طموحهن حياة مستورة توفر أساسيات العيش اليومي. لم يحلمن بمناصب دستورية، ولم يعرفن الساسة إلا عبر شاشات التلفاز أو الهواتف، نساء يأنسن بالحديث عن الزوج والمنزل، لكنهن وجدن أنفسهن فجأة مدانات في جرائم موجهة ضد الدولة.

أكثر ما آلمني، قصة الطبيبة (ع)، كل جرمها نشر “حالة” على تطبيق واتساب، ربما راها نفر قليل من محيطها المجتمعي الضيق، وكانت إثر ملاسنة عابرة بينها وبين بعض قريباتها حول انتشار المليشيا في الخرطوم وانسحابات الجيش وقتها. وجدت نفسها محكومة بالسجن لـ 10 سنوات! وبعد رحلة شاقة من الاستئنافات، تم الاكتفاء بربع المدة، وستخرج بعد شهرين. كنا نتناول الطعام معاً، كنت أرتبك أمام كلماتها، إذ ألمح بوضوح مرارة الظلم والقهر في نبرات صوتها. وهناك طالبة طب أخرى، ضاقت بها السبل في شهور الحرب الأولى وهي تعول أسرتها، فلم تجد بداً من تطبيب جرحى المليشيا لسد رمق عائلتها الجائعة. وأخرى خلف القضبان تركت وراءها 4 أبناء بلا معيل.

أما أصغرهن (ص)، فقد كان سريرها يحاذي سريري، وكنت أسمع نحيبها المكتوم يمزق سكون الليل يومياً. تجرأت في أحد الأيام وسألتها عن سر هذا البكاء المرير، فأخبرتني والدموع تخنقها أنها تفتقد صغيرها المريض، وأنها مدانة تحت المواد (50/51) المتعلقة بالجرائم الموجهة ضد الدولة بتهمة التعاون مع الدعم السريع، وكل جريمتها أنها التقطت صورة “سيلفي” ترتدي فيها “الكدمول” أثناء حفل زواج جارتهم من أحد المتمردين في الخرطوم!

أما الخالة (ا)، التي عملت في بيع الطعام لتساعد زوجها الشرطي في تربية الأبناء، حتى تخرج أكبرهم من الكلية الحربية ضابطاً بالجيش السوداني، وهو برتبة ملازم أول تم أسره بواسطة قوات “الحلو” أيام الدفاع عن كادوقلي، تقضي هي وزوجها عقوبة السجن لـ 20 عاماً بتهمة التعاون مع مليشيا الدعم السريع.

إن هؤلاء النسوة، وإن أخطأن أو زلت بهن الأقدام، فهن في حقيقة الأمر ضحايا الفقر المدقع والخطاب القبلي البغيض الذي توظفه النخب السياسية للوصول إلى مآربها، دون أن تطال تلك النخب أحكام الجرائم الموجهة ضد الدولة؛ ذات الدولة التي استقبلت عتاة المتمردين وبذلت لهم أموالها وأفسحت لهم منابرها الإعلامية.

هؤلاء النسوة البسيطات أولى بالعفو العام من أمثال “السافنا” الذي نهب مدينة بحري، وشارك في الحرب بعد أن كسرت المليشيا السجون، عندما كان يقضي فترة انتظار تنفيذ حكم الإعدام لقتله تاجراً؛ وهي القضية التي لا ندري حتى الآن كيف سُوّيت، وما هو مصير حق الدم للقتيل.

سيدي الرئيس عبد الفتاح البرهان.. أنت رجل عرف الناس فيك الشهامة، ونبتّ من منبت كريم، واشتُهرت بالمروءة والإقدام، والسودانيون يشهدون لك بالمواقف النبيلة. ارحم أخواتك المحكومات في الحق العام، وأطلق سراحهن ليعودن إلى أحضان أطفالهن، ويدعون لك بظهر الغيب بدوام الملك والعمر المديد.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *