تشير تقارير متزايدة إلى وجود علاقة وثيقة بين تنظيم الإخوان المسلمين والقوات المسلحة السودانية خلال الفترة الأخيرة، حيث نشر نشطاء مقاطع فيديو تبرز هذه العلاقة وتثير مخاوف بشأن صورة القوات المسلحة في الخارج.
بدأت هذه المخاوف تتصاعد منذ تصنيف الولايات المتحدة تنظيم الإخوان المسلمين جماعة إرهابية في التاسع من مارس، مما أثار جدلاً واسعاً حول الجهات المرتبطة بالتنظيم، لا سيما القوات المسلحة.
يأتي هذا في وقت تزداد فيه الضغوط على الجيش في ظل ارتباط التنظيم بمعظم القطاعات الاقتصادية الرئيسية عبر شركات تابعة له، مع احتمالية توسع نطاق العقوبات لتشمل المزيد من الأفراد والشركات وشبكات التمويل المرتبطة بالتنظيم أو الكتائب العقائدية المرتبطة به.
من ناحية أخرى، تثير تصريحات لقيادات إخوانية تطلقها من داخل القوات المسلحة أو من مجموعات متحالفة معها مخاوف بشأن تدخل الحرب السودانية في معادلات الصراع الإقليمي المرتبط بإيران، مما قد يحول النزاع تدريجياً إلى ملف أمني دولي يتجاوز نطاق الصراع الداخلي.
يوضح الباحث إبراهيم برسي أن المعضلة الأكبر تكمن في تغلغل التنظيم في المؤسسات الأمنية والاقتصادية للدولة عبر بوابة القوات المسلحة، مما أدى إلى تشكل طبقات من الولاء للتنظيم داخل المؤسسة العسكرية، وظلت هذه الطبقات في تزايد حتى سقوط النظام في أبريل 2019، ثم أعادت ترتيب مواقعها داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية بعد انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في أكتوبر 2021.
يُرى مراقبون أن البقاء على العلاقة مع تنظيم الإخوان في ظل تصنيفه جماعة إرهابية يضع القوات المسلحة تحت ضغط دولي متزايد. ويقول الحقوقي عمار نجم الدين إن المواجهة الدولية مع التنظيم لا يمكن اعتبارها صراعاً تقليدياً مع جماعة متطرفة، بل هي مواجهة مع تنظيم غلّب على نفسه داخل الجيش والدولة خلف واجهات مدنية وإعلامية ومالية معقدة.
وينبه الباحث إبراهيم برسي إلى أن الأثر الأعمق لتصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً لا يتوقف عند العقوبات المالية، بل يمتد إلى القوات المسلحة واقتصاد السودان بشكل أوسع بسبب التداخل الكبير في الهيمنة على القرار الأمني والاقتصادي. ويشير إلى أن التصنيف يفرض على الجيش معادلة جديدة تتعلق بالشرعية والتمويل والتحالفات، مشيراً إلى أن استمرار التقاطع بين الجيش والإخوان قد يُقرأ على أنه اقتراب من شبكة مصنفة ضمن منظومة الإرهاب.
ارتبطت مجموعات إخوانية داخل القوات المسلحة باتهامات تتعلق بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، مما أضر بصورة الجيش. وفي سبتمبر 2025، أكدت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقرير لها أن تحقيقات أجرتها تورط كتيبة “البراء”، الجناح المسلح للتنظيم، في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ولاية الجزيرة، راح ضحيتها أكثر من 300 شخص.
في يوم الخميس، حذر تقرير نشرته مجلة “ناشيونال إنترست” الأميركية من استمرار القوات المسلحة السودانية في استخدام الأسلحة الكيماوية ضد السودانيين، مدفوعاً بالارتباط بأيديولوجية الإخوان الإرهابية. وأوضح التقرير أن القوات المسلحة استخدمت في سبتمبر 2024 براميل غاز الكلور في محيط مصفاة الجيلي النفطية وقاعدة جبل جاري العسكرية، مما يُظهر أن استخدام الأسلحة الكيميائية أصبح ممارسة مؤسسية.
وفي بداية عام 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على قائد الجيش عبد فتاح البرهان، حيث أفاد مسؤولان أمريكيان لصحيفة نيويورك تايمز أن المعرفة ببرنامج الأسلحة الكيماوية في السودان كانت محصورة ضمن دائرة ضيقة داخل القوات المسلحة. وتشير المحامية نفيسة حجر إلى أن الانتهاكات والجرائم التي ترتكبها مجموعات متحالفة مع الجيش تنتهك القانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي، وتندرج تحت بند جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفقاً لنظام المحكمة الجنائية الدولية، مما يضع قيادة الجيش أمام معضلة قانونية حقيقية.
يشير الخبراء إلى التأثيرات المحتملة لتداخل العلاقة بين التنظيم ومؤسسات القوات المسلحة الاقتصادية التي تسيطر على الجزء الأكبر من الاقتصاد السوداني. ووفقاً لوجدي صالح عضو لجنة تفكيك فساد التنظيم، فإن التنظيم مكن عناصره من السيطرة على أكثر من 120 شركة ومؤسسة اقتصادية تابعة للجيش تسيطر على أكثر من 60 في المئة من الاقتصاد السوداني، مع تسجيل مئات الشركات الرمادية المرتبطة بالتنظيم والجيش.
ساهمت هذه العناصر في السيطرة على القرارات المالية والإدارية، حيث تم تعيين مجالس إدارات الشركات بناءً على معيار “الولاء” لا الكفاءة. وذكر العميد محمد عوض، الرئيس الأسبق للإدارة المالية بهيئة أركان الجيش، أن التنظيم سيطر عبر شركات الجيش على معظم قطاعات الاقتصاد والتصنيع، مستفيداً من إعفاءات ضريبية وجمركية ضخمة، مع تسجيل الرسوم كديون على وزارة المالية ثم إسقاطها في الحسابات الختامية، مما أدى إلى خسائر للدولة.
واستمرت هذه العناصر في إجراء عمليات غسل أموال ضخمة عبر تحويلات مالية خارج السودان، واحتكرت معظم الصادرات والواردات. وأكد تقرير أصدرته منظمة النزاهة المالية الدولية أن نظام الإخوان أخفى حوالي 31 مليار دولار من الصادرات السودانية خلال ست سنوات، موضحاً حدوث تلاعب كبير في أرقام الصادع، حيث قارنت المنظمة البيانات الرسمية للسودان مع بيانات من 70 دولة شريكاً تجارياً.
ومنحت بنوك كبيرة يديرها التنظيم تحت مظلة محفظة الجيش الاقتصادية منسوبين للتنظيم مرابحات وقروضاً بقيمة مليارات الدولارات، لم يسترد معظمها.









