في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، كانت مدارس مدينة أبوعشر تشهد تذمراً من قبل طلاب المراحل الإبتدائية والمتوسطة في بعض المناسبات القومية، حيث كان الوعي بالأحزاب السياسية محدوداً إلى حزب الأمة الذي ينتمي إليه أستاذ الريح خلف الله وبعض الأسر الكبيرة في الحي. وشهدت الأسرة جيرانهم السابقين من أسرة السعيد، وأسرة محمد توم عبد القيوم ومحمد نور المر، كما عرفوا عن طريق أستاذ البشير إمام مسجد البشقراوي عن الحركة الختمية. كما عايشوا انتخابات الفترة الديمقراطية وشهدوا بروز أقطاب الحزبين في مجتمعهم الصغير، ومن ذكريات تلك الحقبة كان تفاعلهم مع أخبار الجيش والعمليات، سلباً وإيجاباً، خاصة بعد إهمال الجيش، فخرجت المسيرات عفوية مرة استنكاراً للهجوم على الكرمك وقيسان وأخرى فرحاً باستعادتهما، وتكرر ذلك أربع مرات على الأقل.
بعد أن ركزوا على موقع المدينتين من الحدود الإثيوبية، شفقت على المواطنين هناك، خاصة وأن إثيوبيا جارة غير مأمونة، وفي هذه الأيام تكرر سيناريو الثمانينات بذات التفاصيل، هجوم على المدينتين من الأراضي الإثيوبية وسقوطهما واستعادتهما ثم تكرار ذلك.. وبين هذه الأحداث يتخيل الإنسان حياة المواطنين الأبرياء هناك.. الأطفال ومدارسهم.. الموسم الزراعي الذي يتحكم في حياة الناس وأقواتهم.. ظروف الأمطار والنزوح.
توقع أن تكون الأوضاع كارثية أكثر من المرات السابقة، فالمواجهات السابقة كانت بين القوات المسلحة والحركة الشعبية واستهداف المواطنين يظل محدوداً مهما كان عنف المواجهات، ولكن في هذه المرة ثمة طرف ثالث في هذه المواجهات، وهو طرف ذو خلفيات تجاوزية في استهداف المواطنين ومصالحهم وبعثرة الحياة المدنية وتشريد الناس وإجبارهم على النزوح، ولسمعته السيئة يبادر المواطنون بالنزوح من أول خبر عن نية الدعم السريع الهجوم، لذلك تكتسب الأحداث في النيل الأزرق هذه المرة أبعاداً مختلفة من سابقاتها.
ما يؤكد ذلك أن المتمردين كانوا قد إشتبكوا مع بعضهم البعض أكثر من مرة في الفترة الماضية والسبب أن الدعم السريع من قادتهم وجنودهم لا يستطيعون مقاومة طبيعتهم في سلب ونهب ممتلكات المواطنين بصورة لا يقبلها إنسان سوي والطبيعي أن تحدث الإشتباكات بين طرفين لم يجمعهما إلا التمرد على الدولة ولأن من نهبهم الدعم السريع هم أهل الطرف الآخر.
الكرمك وقيسان من أكثر المدن السودانية التي تضررت من حركات التمرد، وإنسانها أكثر من يعاني في هذا الوطن، من ضعف الاهتمام به من الحكومات، مع تكرار المواجهات على أرضه.. الأمر الذي لا يترك لهم فرصة الاستفادة من طبيعة المنطقة في الأنشطة اليدوية من زراعة ورعي وغيرها فهي أنشطة تحتاج للاستقرار..!









