بدأت خطط لتعزيز السيادة الدفاعية الأوروبية داخل حلف “الناتو” في الظهور بقوة، بعد أن حصلت على دعم غير متوقع من ألمانيا، التي كانت لطالما تعارضت هذه الفكرة. يُعرف هذا المشروع باسم “الناتو الأوروبي”، ويركز على زيادة عدد الأدوار القيادية والنفوذ الأوروبي داخل الحلف، مع استغلال الأصول العسكرية الأميركية بقدراتها الخاصة.
تُعد هذه الخطط نتاج مناقشات غير رسمية بين القادة الأوروبيين، ولها أهداف استراتيجية واضحة، أبرزها الحفاظ على الردع ضد روسيا، واستمرارية العمليات، والمصداقية النووية، حتى في حال انسحاب القوات الأميركية أو رفض واشنطن الدفاع عن أوروبا، كما توقعت من بعض السياسات السابقة.
تبرز هذه الخطط عمق القلق الأوروبي من موثوقية الولايات المتحدة كحليف، خاصة مع تصاعد التهديدات السياسية الأخيرة، مثل التهديد بضم غرينلاند، ورفض أوروبا دعم الحرب الأميركية في إيران. وقد لعبت ألمانيا دوراً محورياً في هذا التحول، حيث كان لطالما تعتمد على الولايات المتحدة كضامن أساسي للأمن، لكن موقفها تغير تحت حكم المستشار الحالي، استجابةً لمخاوف من ضعف العلاقة مع واشنطن خلال فترة رئاسة ترامب وما بعدها.
يشارك في هذه الجهود قادة من المملكة المتحدة، بولندا، دول الشمال، وكندا، الذين يرون في الأمر “تحالف الراغبين” داخل الناتو. ويؤكد الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب أن نقل العبء من الولايات المتحدة إلى أوروبا هو عملية جارية ومخططة، وليس انسحاباً مفاجئاً، مشيراً إلى أن الهدف هو جعل الناتو “أكثر أوروبية” لضمان بقائه عابراً للأطلسي.
ورغم أن هذه الخطط تأتي كنتيجة لضغط سياسي أمريكي سابق، فإنها تتصاعد الآن بمبادرة أوروبية كاملة بسبب عدائية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي وصف الحلفاء الأوروبيين بأنهم “جبناء” واعتبر الناتو “نمراً من ورق”. وتؤكد مصادر أن الهدف هو إظهار القدرة على الحماية بشكل منظم وقابل للتحكم.
يواجه الأوروبيون تحديات جسيمة، حيث تعتمد بنية الناتو بأكملها على القيادة الأميركية في المستويات العليا، من اللوجستيات والاستخبارات إلى القيادة العسكرية. ويحاول الأوروبيون الآن تعويض هذه الفجوة من خلال زيادة الإنفاق العسكري، وتسريع الإنتاج المحلي للأسلحة، خاصة في مجالات تتأخر فيها أوروبا مثل مكافحة الغواصات والفضاء والتزود بالوقود الجوي.
تشمل الإجراءات العملية زيادة عدد القوات المحلية، وإعادة النظر في الخدمة العسكرية الإلزامية، وتطوير صواريخ كروز شبحية مشتركة بين ألمانيا وبريطانيا. ورغم هذه الجهود، تبقى الفجوة الأكبر في مجالي الاستخبارات والردع النووي، حيث لا تزال واشنطن تتحكم في الأقمار الصناعية والإنذار المبكر، ما يضغط على دول مثل فرنسا وبريطانيا لتوسيع أدوارهما.









