Home / أخبار / تسعير خدمات العبور الجوي في السودان

تسعير خدمات العبور الجوي في السودان

تسعير خدمات العبور الجوي في السودان

تُعد رسوم العبور الجوي (Overflight Charges) من أهم مصادر الإيرادات لسلطات الطيران المدني حول العالم، لا سيما للدول التي تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي يضعها على مسارات الحركة الجوية الدولية. يتطلب هذا المورد الحساس إدارةً ومنهجية تسعير علمية دقيقة توازن بين التكلفة الفعلية لتقديم الخدمة، والقيمة الاقتصادية للمجال الجوي، وديناميكيات السوق. غير أن ما نشهده في الحالة السودانية يمثل نموذجاً تسعيرياً لا يتطابق مع الأسس الاقتصادية.

شهدت السنوات الماضية تاريخاً من التمييز في التسعير، بدءاً من الخطوط الإثيوبية التي تمتعت بخصم بنسبة 15% قبل أن يترتب عليه تخفيض عام بنسبة 10% للجميع، مما أدى لخسائر قدرت بـ 150 مليون دولار خلال العشر سنوات الماضية. ورغم إقرار لائحة في العام 2024 بهدف إلغاء النشرات التمييزية، إلا أن أواخر العام 2025 شهدت إقراراً لتخفيضات جديدة اعتمدت معادلات مبسطة دون دراسة تكلفة حقيقية، في ظل طلب غير مرن ناتج عن إغلاق مجالات جوية مجاورة، مما يجعل المسارات السودانية خياراً شبه إجبارياً لشركات الطيران.

المقارنة مع الدول المتقدمة تظهر الفجوة الكبيرة؛ ففي ألمانيا، تدير مؤسسة خدمات الملاحة الجوية تسعيراً يعتمد على “التكلفة زائد العائد” و”وحدات الخدمة”، حيث تدفع طائرة إيرباص 320 مبلغاً يزيد عن 660 يورو لمسافة قصيرة، بينما تبلغ رسومها في السودان نحو 346 يورو فقط. تعتمد المعادلة الألمانية على ثلاثة أبعاد رئيسية (سعر الوحدة، المسافة، الوزن)، بينما تعتمد السودان الحالية على ضرب الرسم الموحد في نصف المسافة، مما يخلق تشوهات داخل شرائح الطائرات وتأثيراً في الجرف (Cliff Effect) حيث تنتقل الطائرة من فئة لآخرى بتغير طفيف في الوزن بفارق سعري كبير.

إن رسوم العبور ظلت شبه ثابتة لمدة 35 عاماً، رغم تكبد الدولة صرفاً هائلاً على تطوير البنية التحتية، والتعديل الأخير الذي خفض الرسوم من متوسط 950 دولاراً إلى 531 دولاراً يأتي في وقت يصعب فيه تعديل الأسعار بسبب تقلبات السوق. وبما أن الطلب غير مرن في هذه الحالة، فإن التخفيضات لا تحفز الطلب بل تضيع الفرص السيادية وتؤدي لفقر في التمويل الذاتي اللازم لإعادة بناء مراكز الملاحة وإنشاء مراكز بديلة للطوارئ.

يُظهر الوضع إشكالات في الحوكمة المؤسسية؛ فقد كان لزاماً على مجلس الإدارة أن يمارس دوره الرقابي قبل إجازة التعديلات الجوهرية، من خلال إجراء دراسات اقتصادية شاملة وتقييمات للأثر المالي. إن ما حدث ليس مجرد تعديلات إدارية، بل تحول من تسعير اقتصادي إلى تسعير لا يرتبط بأي سند علمي، مما أدى لضياع ميزة جغرافية نادرة.

يُناشد النص إعادة هيكلة مجلس الإدارة وتقويتها بصلاحيات واضحة، وتضمين خبراء في المجالات الفنية والاقتصادية. ويُطلب تشكيل فريق عمل لوضع نموذج تسعير عالمي يربط الرسوم بالتكلفة الفعلية والمسافة والوزن، واعتماد خطة تسعير استراتيجية تمتد لخمس سنوات لضمان استمرارية الخدمات الملاحية واستدامة البنية التحتية.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *