وقد حولت الإجراءات العسكرية وما يعرف بـ”الخط الأصفر” تلك المناطق إلى أماكن يصعب الوصول إليها، تاركين خلفهم آلاف خلايا النحل تواجه مصيرها من دون رعاية أو مياه أو علاج.
وبينما اعتاد مربو النحل التنقل بين المراعي الموسمية وفق مواسم الإزهار، انقطعت هذه الدورة الطبيعية بالكامل. وتحول الاطمئنان على المناحل إلى مهمة شبه مستحيلة، فلم يجد كثيرون وسيلة سوى شراء صور جوية ملتقطة عبر الأقمار الصناعية ، على أمل معرفة ما إذا كانت خلاياهم لا تزال قائمة، أم التهمتها الحرائق أو دمرها القصف.
ويقول مختار بلدة شبعا حسن زهرة: “كل شهر نشتري صورة جوية فقط لنعرف إذا كانت المناحل ما تزال موجودة. الحمد لله أنها لا تزال في مكانها، لكننا نعرف أنها تضررت، إذ أصابتها الأمراض والحشرات وعانت من العطش في عز الصيف. مضى أكثر من 5 أشهر ولم نستطع الوصول إليها بسبب الحصار”.
ويشرح زهرة أن نحو 390 خلية نحل تعود إلى نحالي بلدة شبعا بقيت في أماكنها من دون أي رعاية، بعدما تعذر على أصحابها الوصول إليها بسبب القيود المفروضة جنوب الليطاني.
ويضيف أن النحل يحتاج إلى متابعة مستمرة، لا سيما في فصلي الربيع والصيف، إذ تتطلب الخلايا مكافحة الأمراض والطفيليات، وتأمين المياه والغذاء، وإلا تصبح مهددة بالانهيار الكامل.
ولا تختلف معاناة ربيع قعدان، وهو من أبناء بلدة شبعا ويربي النحل في النبطية الفوقا، ويقيم حاليا في مدينة صيدا بسبب الحرب. ويقول: “كان لدي 24 خلية نحل، وبعد الحرب لم يبق منها سوى 10. واليوم لا أستطيع الوصول إليها، ولا أعرف إن كانت ما تزال حية أم نفقت”.
من جهته، يؤكد إسماعيل زهرة، وهو أحد مربي النحل في شبعا، أن تكلفة متابعة المناحل تحولت إلى عبء إضافي على المربين، قائلا: “ندفع أحيانا 200 دولار أسبوعيا للحصول على صور عبر الأقمار الصناعية، فقط لنطمئن إن كانت خلايانا لا تزال موجودة. نعرف مكانها، لكننا لا نستطيع الوصول إليها، ولا سقيها أو معالجتها أو إنقاذها”.
تحول الاطمئنان على المناحل إلى مهمة شبه مستحيلة
تهديد التنوع النباتي
ولا تقتصر خسائر القطاع على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى البيئة والتنوع الحيوي. فالنحل لا ينتج العسل فحسب، بل يؤدي دورا أساسيا في تلقيح الأشجار المثمرة والمحاصيل الزراعية والنباتات البرية، ويعد ركنا رئيسيا في الحفاظ على التوازن البيئي.
ويؤكد خبراء أن تراجع أعداد النحل ينعكس مباشرة على إنتاجية البساتين والمزروعات، ويهدد التنوع النباتي في القرى الحدودية التي يعتمد سكانها بشكل كبير على الزراعة.
مقتل نحالين وتدمير خلايا النحل
وبحسب تقديرات خبراء في القطاع، ارتفع عدد النحالين الذين فقدوا حياتهم في جنوب لبنان منذ اندلاع الحرب إلى 84 نحالا، بينما تعرضت مئات آلاف خلايا النحل لأضرار متفاوتة، ودمرت آلاف الخلايا بالكامل نتيجة القصف والحرائق. ولم تقتصر الخسارة على الأرواح، بل طالت أيضا خبرات تراكمت على مدى عقود.
ويشير مسؤولون في القطاع إلى أن عددا من النحالين الذين فقدوا حياتهم كانوا من أبرز المختصين في إنتاج ملكات النحل وتطوير السلالات المحلية، وهي خبرات يصعب تعويضها. ويؤكدون أن بعضهم ورث المهنة عن آبائه وأجداده، وكرّس سنوات طويلة لتطوير المناحل اللبنانية، قبل أن تنهي الحرب حياتهم، لتخسر هذه المهنة خبرات بشرية نادرة إلى جانب خسائرها المادية.
وتظهر الأرقام الرسمية جانبا من حجم الكارثة. فبحسب البنك الدولي، دمرت الحرب الإسرائيلية نحو خمسة آلاف خلية نحل بالكامل بين الثامن من أكتوبر 2023 والعشرين من ديسمبر 2024، وقدرت قيمة الأضرار بنحو 800 ألف دولار.
وكان لبنان يضم قبل الحرب نحو 417 ألف خلية نحل، وفق رئيس اتحاد نقابات مربي النحل في لبنان باسل عمرو، ما يعني أن الخلايا المدمرة تمثل نحو 1.2 في المئة من إجمالي الخلايا.
غير أن مربي النحل يؤكدون أن هذه الأرقام لا تعكس حجم المأساة الحقيقي. فكثير منهم خسروا ما بين 60 و70 في المئة من خلاياهم، سواء بسبب القصف المباشر أو الحرائق أو العجز عن الوصول إليها في موسم العناية. كما ضاعت عليهم مواسم إنتاج أساسية، أبرزها موسم أزهار الحمضيات، الذي يعد من أهم مواسم إنتاج العسل في لبنان.
تحول الاطمئنان على المناحل إلى مهمة شبه مستحيلة
وتفاقمت الأزمة في ظل غياب برامج تعويض فعالة أو خطط إنقاذ حكومية، واستمرار منع الوصول إلى المناطق الواقعة جنوب “الخط الأصفر”, فيما تعاني وزارة الزراعة منذ سنوات من ضعف الإمكانات المالية واعتمادها بدرجة كبيرة على التمويل الخارجي، الأمر الذي يحد من قدرتها على تعويض المتضررين أو إطلاق برامج لإعادة إحياء قطاع تربية النحل.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذه الأوضاع لا يهدد صناعة العسل فحسب، بل يهدد الأمن البيئي والزراعي في الجنوب اللبناني، لأن خسارة النحل تعني تراجع عمليات التلقيح الطبيعية، وانخفاض إنتاج الأشجار المثمرة والمحاصيل الزراعية، وهو ما ستكون له انعكاسات طويلة الأمد على النظام البيئي والاقتصاد الزراعي في المناطق الحدودية.
وبالنسبة إلى نحالي الجنوب، ولا سيما في البلدات الحدودية مثل شبعا، لم تعد صور الأقمار الصناعية مجرد وسيلة للمراقبة، بل أصبحت الرابط الوحيد بينهم وبين مصدر رزقهم، في انتظار اليوم الذي يتمكنون فيه من العودة إلى مناحلهم، ومعرفة ما إذا كان النحل قد صمد في مواجهة حرب لم تستثنِ حتى أحد أصغر الكائنات وأكثرها أهمية لاستمرار الحياة.
انهيار مهنة النحالين والبيئة في لبنان بسبب الحرب المستمرة









