مع تقدم رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت في استطلاعات الرأي، تترقب الأنظار كتلة انتخابية أساسية في انتصارات حزب “الليكود” الحاكم، وهي تجمع اليهود الشرقيين (المزراحيم)، وفي مقدمتهم اليهود المنحدرون من أصول مغربية، الذين قد يحددون نتيجة السباق الانتخابي ويقررون ما إذا كان نتنياهو سيحصل على ولاية جديدة أم يقترب من نهاية أطول حقبة حكم في تاريخ إسرائيل.
وتكتسب هذه الكتلة أهمية مضاعفة في ضوء استطلاع أظهر تراجع نتنياهو أمام آيزنكوت في السباق المباشر على رئاسة الوزراء، حيث فضل 43 بالمئة من الإسرائيليين آيزنكوت مقابل 34 بالمئة لنتنياهو، وحل رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت ثالثاً. وأظهر استطلاع آخر أن حزب “يشار” بزعامة آيزنكوت سيحصد 23 مقعداً، يليه “الليكود” بزعامة نتنياهو بـ22 مقعداً، وحزب “بياحد” بزعامة بينيت بـ16 مقعداً، مما يعني أن أي معسكراً لا يملك أغلبية تتيح تشكيل الحكومة منفرداً، مما يجعل تحريك أي كتلة انتخابية كبيرة عاملاً حاسماً في رسم المشهد السياسي.
يُعرف أن نحو مليون إسرائيلي من أصل مغربي يعيشون في إسرائيل، وأن اليهود الشرقيون يمثلون أكثر من 40 في المئة من سكان إسرائيل، رغم صعوبة تحديد نسبتهم بدقة بسبب التداخل الواسع في الأصول العائلية. ويعد اليهود القادمون من المغرب أكبر المجموعات داخل هذه الفئة. ووفقاً لصحيفة “نيويورك تايمز”، فإن كثيراً من المدن التي أعادت نتنياهو إلى السلطة خلال الانتخابات الماضية تضم كثافة كبيرة من اليهود الشرقيين، وعلى رأسهم المنحدرون من أصول مغربية، مثل ريشون لتسيون وبئر السبع والبلدات الريفية.
وتأييد المزراحيم لحزب الليكود يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما نجح مناحيم بيغن في استقطابهم سياسياً، بعدما شعر كثير منهم بالتهميش على يد النخبة الأشكنازية ذات الأصول الأوروبية، التي قادت إسرائيل في سنواتها الأولى. ونجح نتنياهو، رغم انتمائه إلى النخبة الأشكنازية، في تحويل هذه المظلومية التاريخية إلى أحد أهم عناصر خطابه السياسي، مقدماً نفسه المدافع عن اليهود الشرقيين في مواجهة المؤسسات التي ينظر إليها كثير من أنصاره باعتبارها امتداداً للنخبة الأشكنازية، مثل القضاء ووسائل الإعلام.
يُشار إلى أن آيزنكوت، الذي عزز موقعه في استطلاعات الرأي الأخيرة، لا ينافس نتنياهو من خارج البيئة الانتخابية التقليدية لليكود، بل يخاطب القاعدة نفسها. فهو ينحدر من أسرة يهودية مغربية، وُلد في طبريا ونشأ في إيلات، وشق طريقه داخل المؤسسة العسكرية حتى أصبح رئيس الأركان الحادي والعشرين للجيش الإسرائيلي بين عامي 2015 و2019. وتشير تقارير إلى أنه قد يصبح أول رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل من أصول مزراحية. ويصفه محللون بأنه شخصية سياسية مختلفة، لا تعتمد على الخطابات الشعبوية أو الاستعراض، وإنما على صورة رجل الدولة والمسؤولية.
في خضم هذه المنافسة، جاءت تصريحات المتحدث السابق باسم نتنياهو، زيف أغمون، لتزيد من حساسية المعركة على أصوات اليهود الشرقيين، بعدما كشفت تسجيلات صوتية تضمنت أوصافاً مهينة بحق عدد من نواب “الليكود” المنحدرين من أصول مزراحية، بينهم نواب من أصول مغربية، بالإضافة إلى إساءات مباشرة للمغاربة، ما أثار موجة غضب داخل الحزب وخارجه.
ويرى مراقبون أن نتنياهو يسعى إلى الحفاظ على صورته بوصفه المدافع عن المزراحيم في مواجهة النخبة التقليدية، بينما يحاول آيزنكوت إقناع الناخبين بأن الوقت حان لقيادة جديدة تنتمي إلى البيئة الاجتماعية نفسها، ولكن من دون الأعباء السياسية التي تراكمت خلال سنوات حكم نتنياهو. ويعمل حزب “شاس” على الحفاظ على موقعه ممثلاً رئيسياً لليهود الشرقيين داخل المعسكر اليميني.
ويُعد اليهود المغاربة قوة انتخابية حاسمة في المشهد السياسي الإسرائيلي، إذ يعتبرون تاريخياً “خزاناً انتخابياً” مستقراً لمعسكر اليمين، ولا سيما حزب “الليكود” والأحزاب الدينية الشرقية، وعلى رأسها “شاس”. ويرى محللون أن تأثيرهم في الانتخابات الإسرائيلية يترجم عبر عدة محاور استراتيجية؛ فهي كتلة تصويت صلبة، وشريحة سكانية كبيرة، وتنتمي في غالبيتها إلى تيار “السفارديم” أو اليهود الشرقيين، التي شكلت لعقود القاعدة الشعبية الأبرز للأحزاب اليمينية والدينية. وأصواتهم ساهمت بشكل مباشر في صعود وسقوط حكومات إسرائيلية عديدة، كما أن حزب “شاس” الديني الذي يمثل اليهود الشرقيين، اعتمد دائماً على أصواتهم، ما جعله بيضة القبان في تشكيل العديد من الائتلافات الحكومية.
ويرى محللون أن تصويتهم لصالح الليكود سيتوقف بشكل كبير على علاقة نتنياهو بالأحزاب اليمينية، وتحديداً حزب شاس، واحتمال نجاح الليكود في إبرام صفقة مع هذا الحزب، تضمن له مصالحه والامتيازات التي يتمتع بها، خصوصاً في ما يتعلق بتجنيد الحريديم، والاستمرار في ضمان حصول الحريديم على الميزانيات لتمويل مدارسهم ومعاهدهم الدينية. وأكد المحللون أن مصير نتنياهو السياسي، وبقاء الليكود في السلطة، يتوقف على موقف شاس و”الأحزاب الحريدية” بشكل عام، واليهود من أصل مغربي، “جزء أساسي ومهم من هذه الأحزاب”، مستبعدين أن “تنتقم هذه الأحزاب من نتنياهو في صناديق الاقتراع”.









