Home / منوعات وثقافة / الكدمول: أكثر من قطعة قماش.. حكاية هوية في رمال السودان

الكدمول: أكثر من قطعة قماش.. حكاية هوية في رمال السودان

في قلب الجدل الدائر حول الهوية السودانية، يطل علينا الكدمول، هذا اللثام الذي يغطي جزءاً من الوجه، ليثير نقاشاً أعمق من مجرد قطعة قماش. هل هو سلاح؟ زي عسكري؟ أم أنه جزء أصيل من نسيج ثقافي متجذر في رمال السودان؟

في مقاله الأخير، يرى مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، أن الكدمول يتجاوز كونه مجرد قطعة ملبس، ليصبح رمزاً للهوية الشعبية و جزءاً من تاريخ السودان الثقافي. ويسترجع مناوي ذكريات الطفولة، حيث كانت دروس الجغرافيا في الصف الثالث الابتدائي بداية لفهم السودان بتنوعه الجغرافي والثقافي. ويذكر قصة الشاب الذي سافر عبر مناطق السودان المختلفة، من الشمالية بنخيلها وسواقيها، إلى القولد حيث التقى بـ”فاضل الصديق”، في إشارة إلى شخصية تاريخية لا تزال ذكراها حية في تلك المنطقة.

هذه الرحلة، كما يوضح مناوي، كانت بداية لفهم أعمق لكيفية تكامل الجغرافيا والتاريخ واللغة والثقافة في تكوين الهوية السودانية. فالهوية ليست قالبًا جامدًا، بل هي مزيج متناغم من عناصر متعددة، تشمل الطعام، واللباس، والزراعة، والرعي، والأغنية، والأبنية. ومحاولة حذف بعض هذه العناصر، بحسب مناوي، هو تجاهل للواقع وتشويه للهوية الحقيقية.

“الكدمول ليس مجرد زي عسكري، بل هو جزء من ثقافة شعبية عريقة”، يؤكد مناوي. ويشرح أن الكدمول، في جوهره، هو نوع من العمامة، ولكن بطريقة لف مختلفة، نشأت في المناطق المكشوفة لحماية الرأس والوجه من العوامل الجوية القاسية. فهو يحمي من البرد والحرارة والأتربة، ويحافظ على رطوبة الجسم في المناطق الجافة، ويقلل من تأثير الشمس الحارقة. كما أنه يساعد في إخفاء ملامح الوجه، وهو أمر مهم في بعض الثقافات.

صحيح أن استخدام الكدمول في السياقات العسكرية قد انتشر بشكل خاص بعد قيام الحركات المسلحة في غرب السودان، إلا أن وظائفه الأساسية لا تزال كما هي: توفير الحماية من العوامل البيئية. وهذا ما يجعله مناسباً للأغراض العسكرية، بحسب مناوي. ويستشهد بصورتين مشهورتين للإمام محمد أحمد المهدي وهو يرتدي الكدمول، مما يثبت أن الكدمول كان جزءاً من ثقافته الصحراوية.

ويختتم مناوي مقاله بالتأكيد على أن الكدمول ليس مجرد قطعة ملبس عسكري، بل هو جزء من هوية شعبية وثقافية، ويجب الحفاظ عليه كجزء من التراث السوداني. ومحاربة الكدمول، في رأيه، يشبه محاربة هويات شعبية أخرى في السودان، مثل تقليل أهمية اللباس التقليدي لأهل الشرق أو فرض ملابس معينة على أهل الجنوب أو منع البدو من حمل العصي. فالتنوع في اللباس والعادات هو ما يشكل الهوية السودانية الغنية والمتنوعة. فالشعب السوداني ينسجم من خلال عاداته وتقاليده، وكل منطقة لها تفاصيلها الخاصة التي تشكل في النهاية الثقافة السودانية الجامعة.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *