عقد الخبير في الشؤون الأميركية عقيل عباس، ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية مصدق بور، اجتماعاً لمناقشة قراءتين متعارضتين لمذكرة التفاهم، ولمستقبل المضيق، ولحسابات الطرفين السياسية والعسكرية، ما يعكس عمق التباين في تفسير الوقائع وتقدير مآلات الأزمة.
تضارب الروايات حول المفاوضات وحدودها
يرى عباس أن الحديث عن وجود محادثات أميركية إيرانية يستند إلى وقائع فعلية، معتبرا أن ما يصدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يتضمن قدرا من المبالغة، لكنه لا يخلو من حقيقة.
وأشار عباس إلى أن النفي الإيراني للمفاوضات المباشرة يدخل، بحسب تقديره، في إطار الحرب الإعلامية، إذ تلجأ طهران إلى التركيز على شكل التفاوض، سواء كان مباشرا أو عبر وسطاء، لنفي أصل وجوده.
وفي المقابل، يؤكد بور أن الانتقال إلى مفاوضات الاتفاق النهائي لا يزال متعذرا بسبب عدم تنفيذ البنود السابقة المنصوص عليها في مذكرة التفاهم، وعلى رأسها ما يتعلق بلبنان ، والأصول الإيرانية المجمدة، والإعفاءات الخاصة ببيع النفط، إضافة إلى بنود أخرى يعتبر أن الجانب الأميركي لم يلتزم بتنفيذها، وهو ما يدفع إيران ، بحسب قوله، إلى رفض الانتقال إلى المرحلة التالية من التفاوض.
مضيق هرمز… جوهر الصراع الحقيقي
يضع عباس مضيق هرمز في صدارة عناصر النزاع، معتبرا أن التطور الأهم يتمثل في إعادة تفسير البند الخامس من مذكرة التفاهم، الذي كان يبدو في ظاهره أنه يمنح إيران دورا في الإدارة المشتركة للمضيق مع سلطنة عُمان، قبل أن يؤدي التشديد على أن “أي ترتيب ينبغي أن يتسق مع القانون الدولي”، إلى تفسير مختلف، يرى أنه جعل إيران تخسر تفسير هذا البند لصالحها.
ولفت عباس إلى أن عُمان ودول الخليج قالت بشكل واضح إنها “مع مرور آمن وبدون فرض رسوم”، وهو ما دفع إيران، وفق روايته، إلى استهداف السفن، فردّت أميركا، ثم ضربت إيران مرة أخرى، فكان الرد الأميركي أقسى.
واعتبر عباس أن إيران راهنت على إنهاك الولايات المتحدة عبر القصف، لكنها وجدت واشنطن أكثر استعدادا وغير مبالية بمذكرة التفاهم، مما أدى إلى إعادة تفسير البند الخامس.
أما بور، فيشير إلى أن المنظمة البحرية الدولية وافقت على فتح مسارين بحريين مؤقتين، وهو ما اعتبره دليلا على خسارة إيران لورقة مضيق هرمز عمليا، إذ أن “القانون الدولي يقول إن المنظمة البحرية الدولية هي التي تعطي شرعية قبول المسارات وإخلاء السفن”، إضافة إلى موافقة دول الخليج على هذا التفسير المتسق مع التفسير الدولي.
وشدد بور على أن “ورقة إيران الأهم والأكبر في كل هذه الحرب هي مضيق هرمز”، وقد مارست عبرها ضغطا اقتصاديا على الولايات المتحدة وسوق النفط العالمية، مشيرا إلى أنها أرادت أن تعيق عملية فتح المسارين البديلين.
وفي المقابل، رفض بور في موضع آخر من حديثه اعتبار إيران قد خسرت ورقة المضيق، مؤكدا أن طهران ما زالت تتمسك بتطبيق مذكرة التفاهم، وأن اعتراضها ينطلق من عدم تنفيذ بنود الاتفاق.
ونفى بور أن تكون إيران تسعى إلى فرض رسوم عبور، قائلا إن “هذا الكلام ربما سمعناه في البدايات من بعض المسؤولين وهم تحدثوا بذلك من دون وعي”، موضحا أن هدف إيران يتمثل في “نظام حقوقي وفقا لقانون البحار، تحت مرجعية الأمم المتحدة، بالتشاور مع سلطنة عُمان وبالتشاور مع بقية الدول المتشاطرة”، معتبرا أن الحديث عن خسارة إيران للمضيق لا يعكس حقيقة الموقف.
ولفت بور إلى أن “إيران سوف تستهدف أي سفينة أخرى تريد أن تمر من ذلك المسار البديل”، لأن “هناك اتفاقا ويجب أن ينفذ”.
مضيق هرمز.. ورقة إيران المشهرة في وجه حرية الملاحة الدولية
القانون الدولي… محور الخلاف في تفسير المذكرة
عبّر عباس عن اعتقاده بأن جوهر الخلاف يتمثل في الطبيعة القانونية للمضيق، مؤكدا أن التفسير الدولي يعتبر هرمز مضيقا دوليا يخضع لمبدأ حرية المرور العابر، وليس للمياه الإقليمية أو “المرور البريء” الذي يمنح إيران صلاحيات أوسع في تنظيم حركة الملاحة أو تقييدها.
وتابع عباس قائلا إن إيران كانت تسعى إلى اعتماد تفسير يمنحها وصاية أكبر على الملاحة، بما في ذلك تنظيم مرور السفن والغواصات والطائرات، فضلا عن إمكانية تحصيل عوائد مالية قد تصل، إلى أربعين مليار دولار بالشراكة مع سلطنة عُمان، إلا أن هذا التوجه يواجه رفضا من دول الخليج والمجتمع الدولي والدول المستهلكة للطاقة .
وبدوره رأى بور أن الخلاف القانوني لا يزال قائما، مشيرا إلى وجود تباينات دولية بشأن تعريف المياه الإقليمية والدولية، وأن إيران والولايات المتحدة تتبنيان تفسيرين مختلفين لقانون البحار، وهو ما يجعل الملف القانوني نفسه جزءا من الأزمة.
تفاوت موازين القوة وحسابات الحرب
يعتقد عباس أن المقارنة العسكرية لا تشير إلى وجود توازن بين الطرفين، موضحا أن إيران تعرضت، بحسب ما استعرضه، لتدمير واسع في بنيتها العسكرية والنووية، إضافة إلى أضرار اقتصادية كبيرة طالت قطاعات صناعية متعددة، في حين يقتصر التأثير الأميركي، وفق تقديره، على انعكاسات سياسية داخلية أبرزها ضغوط أسعار الوقود واحتمالات تأثيرها على الانتخابات النصفية.
وانطلاقا من ذلك، يرى أن الإدارة الأميركية تفضل استمرار التفاوض وصولا إلى حل شامل لا يقتصر على الملف النووي، بل يمتد إلى الصواريخ الباليستية، مع وجود تفاهمات غير معلنة قد تتبلور خلال الأشهر المقبلة.
لكن عباس يحذر في الوقت نفسه من أن تعثر التفاوض قد يقود إلى خيارات أخرى، من بينها إعادة فرض الحصار البحري أو السيطرة العسكرية على مضيق هرمز، باعتبار أن إدارة ترامب تنظر إلى هذا الملف بوصفه قضية استراتيجية لا ترغب في تركها للإدارات اللاحقة.
وبرأي بور فإن إيران دخلت المواجهة وهي تدرك طبيعتها غير المتكافئة، لكنها استطاعت، تحقيق مكاسب سياسية عبر نمط مختلف من الحرب، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة، لو كانت قادرة على فرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز، لما اتجهت إلى التفاوض.
كذلك أشار بور إلى أن ما يقلق الطرفين لا يقتصر على الاتفاق ذاته، بل يمتد إلى تداعياته الداخلية، إذ تخشى طهران أن يُفسَّر التفاوض باعتباره تنازلا، بينما يواجه ترامب انتقادات داخلية تعتبر أنه قدّم تنازلات لإيران.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
توقع عباس أن يبقى مصير المضيق مرتبطا بمآلات المفاوضات، معتبرا أن إيران فقدت جزءا مهما من ورقة الضغط التي كانت تمتلكها، وأن الاتجاه الحالي يعزز تثبيت الوضع القانوني الدولي للمضيق وضمان حرية الملاحة.
وفي المقابل، يتمسك بور بإمكانية استمرار إيران في استخدام أوراق الضغط إذا اقتضت الظروف، معتبرا أنها قادرة، في حال إغلاق الممر المائي وتعطيل المسارات البديلة، على التسبب بأزمة وقود عالمية وانعكاسات سياسية داخل الولايات المتحدة، وهو ما يراه عاملا قد يمنحها مكاسب سياسية رغم أي خسائر عسكرية محتملة.









