ظلت طبيعة الروابط محل جدل قانوني وسياسي واسع، وأعادت كندا فتح الملف بصورة أكثر حساسية خلال السنوات الأخيرة، مع تقارير تتحدث عن امتدادات مرتبطة بتنظيم الإخوان داخل مؤسسات المجتمع المدني والسياسة والتعليم العالي.
وتكتسب التطورات الكندية أهمية إضافية لأنها تأتي في وقت انتقلت فيه الولايات المتحدة من سنوات طويلة من التعامل مع شبكات مرتبطة بالإخوان من زاوية مكافحة تمويل الإرهاب، إلى اتخاذ إدارة الرئيس دونالد ترامب خطوات مباشرة ضد فروع محددة من الجماعة في الشرق الأوسط، وتصنيفها كإرهابية كما جرى قبل أشهر.
ويرى محللون ومختصون في شؤون الجماعات المتطرفة، أن الحديث المتصاعد في كندا والولايات المتحدة بشأن تنظيم الإخوان لا يرتبط فقط بوجود مؤسسات أو شخصيات يُشتبه في صلتها بالجماعة، وإنما بطبيعة الشبكات التي قد تتيح انتقال التأثير من المجال الديني والمجتمعي إلى دوائر السياسة والتعليم والمجتمع المدني، مشيرين إلى أن التحدي الأساسي أمام السلطات الكندية في مراجعة تلك الأنشطة بما يضمن مواجهة أي تهديد محتمل خاصة في ظل القوانين التي تسمح لتلك الجماعات بالتغول داخل المؤسسات بحرية أكبر.
تقف في قلب الجدل الكندي، جمعية المسلمين في كندا، التي تأسست عام 1997 وأصبحت واحدة من أكبر المؤسسات ذات الطابع الديني والمجتمعي في البلاد، مع مساجد ومراكز وبرامج تعليمية ومجتمعية في عدد من المدن الكندية، فيما تصف الجمعية نفسها بأنها مؤسسة كندية تسعى إلى خدمة المسلمين والمشاركة في المجتمع الكندي.
لكن كتاب “جماعة الإخوان المسلمين في الغرب؟ أدلة من تحقيق أجرته هيئة الضرائب الكندية”، الصادر عن برنامج مكافحة التطرف في جامعة جورج واشنطن، يقدم رواية مختلفة تستند بصورة أساسية إلى تحقيق أجرته وكالة الإيرادات الكندية (CRA).
وبحسب الكتاب، بدأت الوكالة في ديسمبر 2015 عملية تدقيق واسعة لأنشطة الجمعية، وشملت مراجعة أكثر من مليون معاملة مالية و415,874 رسالة بريد إلكتروني، إلى جانب مقابلات وزيارات ووثائق أخرى، فيما ركز التحقيق ليس فقط على مسائل المحاسبة والامتثال الضريبي، وإنما أيضاً على الاشتباه في وجود “أغراض غير معلنة وغير خيرية موازية”، تتعلق بدعم وتعزيز جماعة الإخوان المسلمين.
كما استندت الوكالة إلى 3 مؤشرات رئيسية: وجود عدد من قيادات الجمعية على الأراضي الكندية ممن انخرطوا في أنشطة مرتبطة بالإخوان في الشرق الأوسط، وبعضهم تولى مواقع قيادية، ووجود شخصيات قيادية في الجمعية ضمن منظمات كندية مؤيدة للإخوان، إضافة إلى ما وصفته الأدلة بإمكانية انتقال أعضاء بين الجمعية وتنظيمات إخوانية بين دول في الشرق الأوسط.
وخلصت وكالة الإيرادات الكندية في تقريرها إلى أن “التدقيق خلص إلى أن المنظمة تبدو وكأنها تنفذ وتدعم أنشطة تعزز تقدم تنظيم جماعة الإخوان”، ويعني ذلك، وفقاً للوكالة، أن الجمعية لم تعمل حصراً لأغراض خيرية، ولذلك خلصت إلى أنه “قد تكون هناك أسباب تستدعي إلغاء الصفة الخيرية للمنظمة”.
الجديد في الملف الكندي أن النقاش لم يعد يدور حول جمعية واحدة فقط، إذ أصدر معهد دراسة معاداة السامية والسياسة العالمية تقريراً من نحو 200 صفحة قال فيه إن ما يراه نشاطاً متوافقاً مع شبكات مرتبطة بالإخوان ينبغي ألا يُفهم باعتباره سلسلة من الوقائع المنفصلة، وإنما كجزء من استراتيجية أوسع تشمل بناء النفوذ المؤسسي، والتعبئة السياسية، والتأثير في الخطاب العام، والاستفادة من المؤسسات المدنية والتعليمية.
وأشار التقرير إلى أن عدداً من قيادات جمعية المسلمين في كندا، التي تُعد من أكبر المؤسسات الخيرية الإسلامية في البلاد وتدير مساجد ومراكز مجتمعية ومدارس وبرامج تعليمية، كانت مرتبطة “بصورة مباشرة أو غير مباشرة” بجماعة الإخوان، مضيفاً أن هذه العلاقات قد يكون لها تأثير في أنشطة المؤسسة وتوجهاتها، فضلا عن وجود روابط بين جماعات متحالفة مع الإخوان ومؤسسات ديمقراطية كندية ومنظمات مجتمع مدني ومؤسسات تعليم عالٍ، كما يتناول ما يصفه بتأثير سياسي وانتخابي متنام.
وينظر إلى دور الإخوان في كندا بترقب خاصة مع التحول المهم لدى إدارة ترامب الحالية، إذ اتخذت واشنطن خطوة عملية بتصنيف فرعي الإخوان في مصر والأردن كـ”إرهابيين عالميين محددين”، بينما صنفت وزارة الخارجية الفرع اللبناني كـ”منظمة إرهابية أجنبية” و”إرهابي عالمي محدد”.
وفي أغسطس الجاري، عاد الملف إلى الواجهة داخل الكونغرس الأميركي، مع جلسة في اللجنة الفرعية التابعة للجنة القضائية في مجلس الشيوخ حملت عنوان “مواجهة شبكة الإخوان المسلمين في أميركا”، وخلال الجلسة، تناولت شهادة باحثين شبكات الدعم المالي والدعوي والتنظيمي للإسلاميين في الولايات المتحدة.
وقالت الخبيرة الأميركية المتخصصة في الشؤون الأمنية والاستراتيجية إيرينا تسوكرمان، أن جماعة الإخوان قامت ببناء حضور مؤسسي في كندا، محذرة من التقليل من شأن ذلك باعتباره مجرد شبكة من المنظمات الدينية والمجتمعية غير المؤثرة.
وأضافت أن استراتيجية الإخوان في الغرب لم تعتمد بصورة أساسية على العنف، وإنما على “التنظيم وبناء المؤسسات”، من خلال إنشاء المساجد والمدارس والجمعيات الخيرية ومنظمات الشباب والاتحادات الطلابية والشبكات المهنية ومنظمات المناصرة، بما يتيح لها التأثير في الحياة الدينية والمجتمعية والسياسية على مدى أجيال.
وأوضحت أن “الجمعية الإسلامية الكندية” تمثل أبرز مظاهر هذا الحضور، بعدما نجحت في بناء شبكة واسعة من المؤسسات والبرامج التعليمية والشبابية والمجتمعية، معتبرة أن أهمية هذه المؤسسات لا تكمن فقط في عدد أعضائها، وإنما في قدرتها على التأثير في الأفراد الذين قد يصبحون قادة للمجتمع في المستقبل.
وأشارت إلى أن نفوذ الإخوان في كندا لا يعتمد بالضرورة على السيطرة المباشرة على المؤسسات، وإنما على “تأثير الشبكة”، حيث تتداخل العلاقات بين المنظمات والقادة والناشطين، وتتبادل المؤسسات الأفكار والموارد والعلاقات، بما يؤدي إلى نشوء منظومة متكاملة يصعب اختزالها في هيكل تنظيمي هرمي تقليدي، مضيفة أن “هذا النفوذ يكتسب أهمية خاصة على المستوى السياسي، إذ ساهمت هذه الشبكات في إنشاء بنية للمناصرة قادرة على التواصل المباشر مع السياسيين والمسؤولين الحكوميين والإعلام والجامعات، والتأثير في النقاشات المتعلقة بالإسلاموفوبيا والهجرة والتكيفات الدينية وجرائم الكراهية والأمن القومي”.
و شددت على ضرورة إخضاع مصادر تمويل المنظمات وعلاقاتها الدولية للتدقيق، في ظل الطبيعة العابرة للحدود لجماعة الإخوان، موضحة أن الجماعة “حققت هدفاً أكثر واقعية واستدامة يتمثل في ترسيخ أفكار الإخوان داخل أجزاء مهمة من الحياة المؤسسية للمسلمين في كندا”.
أما مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية، توم حرب، فقال أن جماعة الإخوان بدأت التوسع في كندا والولايات المتحدة منذ ستينيات القرن الماضي، مستفيدة من إنشاء الدول العربية آنذاك مراكز ومعاهد للدراسات الشرق أوسطية والإسلامية في الجامعات الغربية، موضحا أن بعض الجامعات كانت تستعين بأساتذة ومتخصصين في الدراسات الإسلامية.
الجدل الكندي حول جمعية المسلمين يثير تساؤلات قانونية وسياسية حول الروابط بالإخوان









