طالع خلال الأيام القليلة الماضية تقارير عن حالات احتيال مالي واختراق هواتف بعض الأفراد عبر تطبيق “بنكك” المتعلق بالمعاملات المالية الإلكترونية، وقد تم تعطيل هذه الحالات مؤخراً. يُشار إلى أن تطبيق “بنكك” شائع جداً في السودان، حيث يستخدمه معظم السكان تقريباً.
من الطبيعي أن يثير مثل هذه الحالات انزعاج الناس، ولكن قبل تفزعهم أو قلقهما، من الضروري فهم أصل المشكلة وأسبابها ومن مصدر الخطر. من المعلوم أن استخدام التكنولوجيا الرقمية يأتي مع مخاطر، وأن اللصوص لم يختفوا، بل غيروا أدواتهم ليتماشى مع العصر الرقمي. يُعتمد على رقم الهاتف غالباً كعنصر رئيسي للتعريف بالهوية وإرسال رموز التحقق (OTP) في الأنظمة الرقمية اليوم. والواقع أن ما يحدث غالباً ليس اختراقاً لنظام البنك أو التطبيق، بل هو عمل خبيث يعرف عالمياً بـ (SIM Swapping) أو “الاستيلاء الاحتيالي على شريحة الهاتف”.
يتم هذا العمل عن طريق أن ينجح المحتال في استخراج “بدل فاقد” لرقم هاتف الضحية، غالباً عبر مستندات مزورة أو توكيل مشبوه، أو استغلال ثغرة لدى شركة الاتصالات. عندئذ، يتوقف هاتف الضحية عن العمل، وتبدأ شريحة المحتال في استقبال رسائل التحقق الخاصة بحسابات الضحية المصرفية وإيميلاته.
إذن، المشكلة ليست في اختراق البنك، بل في سرقة الهوية عبر شركة الاتصالات. كما في حالة سرقة مفتاح المنزل، لا يلوم المهندس أو قفل الباب، بل يُسأل كيف وصل المفتاح إلى يد الغريب. يمكن للجهات الأمنية تتبع معاملات المال وتوقيتاتها لقبض على الجاني، ولكن الوقاية أفضل من العلاج.
المعركة الحقيقية لحماية أموال الناس تبدأ من أضعف حلقات النظام: يجب أن تخضع شرائح الاتصال لضوابط أمنية صارمة، وأن تُمنح فقط لصاحب الرقم شخصياً مع بصمة حية، مع تضييق الخناق على التوكيلات المزورة. وعلى المصارف المالية التوسع في وسائل المصادقة متعددة العوامل (MFA) وألا تكتفِ برقم الهاتف وحده، مع الاعتماد على البصمة الحيوية وتقنيات السلوك المالي غير المعتاد. يجب التحقيق في كل واقعة لمعرفة ما إذا كانت بيانات العميل سرقت عبر رابط مزيف، أو إذا أُخذت شريحته، أو إذا وقع ضحية للهندسة الاجتماعية وسلّم رموزه بنفسه.
ليس واجبنا الخوف من التكنولوجيا وشيطنتها، بل حمايتها. والسبيل إلى ذلك يتطلب وعياً عند المواطن، وحماية متطورة عند البنك، وضوابط صارمة لدى شركات الاتصالات، ويقظة تامة لدى السلطات المختصة. ففي السودان، كان تطبيق “بنكك” التابع لبنك الخرطوم شريان الحياة المالي للكثيرين، خاصة في ظل توقف المؤسسات التقليدية أو تفرق الأسر. ومن الإنصاف القول إن القائمين على هذه المنظومة تحملوا مسؤولية وطنية كبيرة في وقت كانت فيه البلاد وأهلها في أمس الحاجة إلى استمرار الخدمات المالية.
إذا كان اللصوص دخلوا عالم التكنولوجيا، فعلينا أن نسابقهم بخطوة. يتطلب ذلك وعياً عند المواطن، وضوابطاً صارمة لدى شركات الاتصالات، ويقظة لدى الأجهزة المختصة. فالرقمنة جاءت لتبقى، ويتطلب استمرارها تطوراً مستمراً في آليات الحماية من قبل جميع الأطراف المعنية.









