يرى محللون أميركيون أن الاتفاق يمثل خطوة إيجابية نحو إنهاء أزمة كبرى كانت لها انعكاسات مباشرة على الداخل الأميركي، وتداعيات اقتصادية واسعة على المستوى العالمي، ويمهد في الوقت ذاته لتخفيف العبء السياسي الذي واجهه ترامب مع تراجع شعبيته وارتفاع معدلات القلق لدى الأميركيين بشأن تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة، واحتمالات الانخراط في صراع طويل الأمد في الشرق الأوسط.
إنهاء “العبء الداخلي”
أصبحت حرب إيران تمثل عبئا سياسيا داخليا على ترامب والمشرعين الجمهوريين في الكونغرس، إذ أظهرت استطلاعات للرأي أن الأميركيين يشعرون بإحباط شديد من ارتفاع أسعار الوقود قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل.
لكن ترامب يواجه أيضا ضغوطا من أعضاء في حزبه الجمهوري، يصرون على ضرورة تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل.
وسبق أن أبدى نحو 70 بالمائة من الأميركيين رغبتهم في التوصل إلى تسوية سريعة تنهي الحرب وتجنب مزيد من التصعيد، خاصة بعدما ارتفعت معدلات عدم الرضا عن إدارة البيت الأبيض للأزمة إلى نحو 60 بالمائة أو أكثر في بعض القياسات، في ظل تنامي المخاوف من تداعياتها الاقتصادية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار الوقود.
ضربات على ضاحية بيروت تربك حسابات ترامب.. وإيران تتوعد بالرد
وعلى هذا المنوال، كشف استطلاع أجرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية بالتعاون مع معهد سيينا، أن غالبية الناخبين تعتقد أن ترامب اتخذ القرار الخاطئ بالدخول في حرب مع إيران، مما وضع الحزب الجمهوري في موقف سياسي صعب قبل انتخابات التجديد النصفي، بالتزامن مع تراجع شعبية الرئيس وتصاعد المخاوف الاقتصادية.
وتدهورت النظرة إلى الاقتصاد الأميركي منذ بداية حرب إيران، ووفقا لبيانات نادي السيارات الأميركي، ارتفع متوسط سعر غالون البنزين إلى أكثر من 4.50 دولار، كما شهدت مؤشرات اقتصادية عدة، من بينها ثقة المستهلك والأسعار ومستويات ديون الأسر، تراجعا خلال الأسابيع الأخيرة.
وعلى المستوى السياسي، أثار الصراع انقسامات داخل الحزب الجمهوري، فلأول مرة أيد الكونغرس، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، مطلع هذا الشهر، قرارا يدعو إلى تقييد صلاحيات ترامب العسكرية في ملف إيران، في خطوة مدعومة من عدد من الجمهوريين وعكست حينها اتساع الجدل داخل واشنطن بشأن الحرب ومستقبل المسار الدبلوماسي في التعامل مع طهران.
ويعتقد مراقبون أن من شأن هذا الاتفاق أن يخفف هذه الضغوط بشكل ملموس، إذ يمكن أن يعيد فتح مضيق هرمز وانخفاض أسعار النفط المتوقع، الاستقرار إلى الأسواق، كما يسمح لترامب بتسويق الاتفاق كـ”انتصار عسكري ودبلوماسي” يمنع إيران من الحصول على سلاح نووي من دون حرب طويلة الأمد، مما يعزز صورته كصانع صفقات قوي.
تطورات إيجابية
قال مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية توم حرب إن الأميركيين ينظرون إلى توقيع اتفاق إنهاء حرب إيران باعتباره “تطورا إيجابا”، لكنه شدد على ضرورة انتظار صيغة الاتفاق النهائية ومذكرة التفاهم للاطلاع على البنود الأساسية.
وأضاف حرب أن “المهم هو فهم الإطار العام للاتفاق بشكل كامل لتقييم مدى نجاحه، خاصة أن الثقة المرتبطة بترامب تعود إلى موقفه منذ خوضه الانتخابات عام 2015، حيث كان معارضا للبرنامج النووي الإيراني”.
وتعتقد أنه “إذا تم إنهاء الملف النووي بشكل كامل، إلى جانب وقف دعم إيران لأذرعها في المنطقة ومنع تطوير الصواريخ البالستية، فإن ذلك يعني تفكيكا جوهريا للسياسة الإيرانية”.
وتطرق مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية، إلى أن “المقارنة بين هذا الاتفاق المحتمل واتفاق 2015 النووي في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما تظهر اختلافا جذريا، إذ أن الاتفاق السابق كان يفرض قيودا مؤقتة على التخصيب لمدة 15 عاما، بينما يذهب الطرح الحالي إلى إنهاء القدرات النووية الإيرانية بشكل كامل ومستقبلي، وهو يعد تحولا كبيرا في الموقف الأميركي وانعكاسا إيجابيا على الولايات المتحدة وعدد من الدول المعنية”.
وأشار حرب إلى أن “تأثير هذا الاتفاق سيكون واسعا على أمن واستقرار الشرق الأوسط والنظام الدولي، وأن أي تسوية كبرى قد تفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية أوسع، بما في ذلك احتمال انضمام دول عربية إلى الاتفاقيات الإبراهيمية”، معتبرا أن ذلك “يمثل تحولا تاريخيا في المنطقة، رغم أن التفاصيل ستبقى العامل الحاسم في تحديد النتائج النهائية”.
خطوة في مسار طويل
أما أستاذ العلوم السياسية في جامعة موراي ستيت الأميركية عضو الحزب الجمهوري إحسان الخطيب، فقال إن الاتفاق يمثل “خطوة في مسار طويل لمعالجة ملفات معقدة”، مشيرا إلى أن إدارة ترامب لم تكن لتتجه نحو اتفاق مبدئي “من دون مؤشرات واضحة من الجانب الإيراني على استعداد لتقديم ضمانات بشأن الملف النووي، بشكل دائم، وليس مرحليا أو جزئيا كما في اتفاق 2015”.
وأشار إلى أن “المفاوضات شهدت تجاذبات معقدة، والعقبة الأبرز لم تكن بين واشنطن وطهران فقط، بل داخل البنية السياسية الإيرانية نفسها، حيث كانت الخلافات بين الأجنحة المختلفة أكثر تعقيدا من المفاوضات الخارجية، رغم وجود تقدم في المسار التفاوضي”.
وفي ما يتعلق بالموقف الأميركي، قال الخطيب إن “ترامب دخل البيت الأبيض وهو يضع هدف التوصل إلى تفاهم مع إيران، لكن هذا المسار اصطدم بالمطالب الإسرائيلية التي تعتبر أن إيران تشكل تهديدا وجوديا لإسرائيل”.
وفي قراءته للدوافع السياسية الأميركية، أوضح الخطيب أن “السياسة في الولايات المتحدة غالبا ما ترتبط بهدف إعادة الانتخاب وبناء الإرث السياسي، إلا أن ترامب لا يواجه هذا الدافع في ولايته الحالية، مما يجعله يسعى إلى إنجاز اتفاق يمكن أن يقدمه كاختراق تاريخي يفوق ما تحقق في عهد أوباما، وأن يكون اتفاقا دائما وشاملا وليس مرحليا”.
وأشار إلى أن “رؤية ترامب تتضمن، وفق تصوره، الدفع نحو سلام إقليمي أوسع، بما في ذلك الاتفاقات الإبراهيمية، وبالتالي تسعى واشنطن إلى إعادة صياغة التوازنات في المنطقة عبر إدماج دول جديدة في مسار التطبيع، وتحويل المنطقة إلى منطقة أكثر استقرارا”.
واعتبر الخطيب أن ترامب “ليس رجل حرب، وكان يفضل منذ البداية تجنب المواجهة العسكرية مع طهران، انطلاقا من قناعة بأن إيران دولة ذات موارد ضخمة يمكن أن تصبح شريكا اقتصاديا فاعلا إذا تم رفع العقوبات وإعادة دمجها في الاقتصاد العالمي، خصوصا في قطاع النفط والغاز” وفق تعبيره.
وفي ما يخص الحرب والخيارات العسكرية، قال أستاذ العلوم السياسية إن المواجهة بين واشنطن وطهران كانت نتيجة “تقديرات خاطئة من الطرفين، حيث اعتقد كل طرف أن الآخر سيتراجع تحت الضغط، لكن الواقع أثبت عكس ذلك”.









