تأتي خطوة ضمن مساعٍ مستمرة لإعادة إنتاج حضور في المشهد السياسي عبر واجهات وتحالفات جديدة، بعد تراجع نفوذه داخليًا وتزايد عزله إقليميًا ودوليًا.
وتقود مجموعة من قيادات هذا الكيان اتصالات مع كيانات ذات مرجعية دينية بهدف تشكيل “كتلة إسلامية” موحدة، عبر إطلاق حوار بين المكونات الإسلامية المختلفة وإنشاء مجلس تنسيق أعلى وأمانة عامة ولجان متخصصة لإدارة العمل المشترك.
وتشمل التحركات أحزابًا وتيارات وتنظيمات إسلامية، إضافة إلى الطرق الصوفية والإدارات الأهلية.
وتأتي الخطوة في إطار محاولات العودة إلى السلطة بمظلة ووجوه جديدة، لتشكيل حاضنة سياسية لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، بعد الرفض الواسع للكيان داخليًا وخارجيًا، واستبعاده من الحوارات التي تقودها المبادرات الدولية والإقليمية، من مبادرة الرباعية وصولًا إلى المبادرة الخماسية الأخيرة في أديس أبابا.
وكان البرهان قد قال مؤخرًا، في خطابه بمناسبة عيد الأضحى، إن المبادرات الخارجية لن تجلب خيرًا للسودان، وإن الشعب السوداني لن يقبل بها، على حد زعمه، طارحًا مبادرة داخلية أسماها “الحوار الوطني الداخلي” وحدد مسارها من داخل السودان.
وأثار ذلك رفضًا واسعًا وانتقادات حادة وسط القوى المدنية والسياسية السودانية، التي اعتبرت الخطوة محاولة لترسيخ وصوله و”جماعته” إلى الحكم.
كما دعا محمد سيد أحمد “الجاكومي”، رئيس ما يسمى بـ” تنسيقية القوى الوطنية “، وهو جسم سياسي يرتبط بالجيش وأمنيين من النظام السابق، الأسبوع الماضي، إلى إطلاق مبادرة للدفع بقائد الجيش عبد الفتاح البرهان للترشح لرئاسة السودان عبر انتخابات تُجرى خلال 6 أشهر.
ورأت قوى مدنية سودانية في هذه الدعوة محاولة من البرهان لحكم السودان على نهج سلفه عمر البشير، مستندًا إلى حاضنة وبعض التنظيمات.
يقول خالد عمر يوسف، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في تحالف ” صمود “: “هذه حرب سلطة محضة، لا تمت إلى الكرامة أو السيادة بصلة. لا يجني ثمارها سوى فئة قليلة تحاول التستر على ذلك بحجب حقائق هي أوضح من قرص الشمس في وضح النهار”.
تبديل الواجهات
تبدو هذه الخطوة امتدادًا لنهج اتبعه الكيان مرارًا للتأقلم مع التحولات السياسية والضغوط التي واجهه على مدى العقود الماضية، غير أن المحرك الأساسي هذه المرة يتمثل في تداعيات التصنيف الأميركي الأخير وما يمثله من تهديد وجودي للكيان.
وخلال تاريخه، ظهر الكيان تحت مسميات وواجهات متعددة، بدءًا من ” الإخوان المسلمين “، مرورًا بـ”جبهة الميثاق الإسلامي”، ثم “الجبهة الإسلامية القومية”، وصولًا إلى “المؤتمر الوطني”.
وبعد سقوط نظامه عام 2019، سعى إلى تجميع مجموعات موالية له تحت مظلة جديدة حملت اسم “التيار الإسلامي العريض”.
عقبات متزايدة
لكن المحاولة الجديدة تواجه شكوكًا كبيرة بشأن فرص نجاحها، في ظل رفض شعبي واسع للكيان منذ الثورة التي أطاحت بحكمه في أبريل 2019 بعد ثلاثة عقود في السلطة، وهي فترة شهدت عزلة دولية واسعة للسودان وإدراجه على قائمة الدول الراعية للإرهاب لأكثر من 27 عامًا.
كما تأتي هذه التحركات بالتزامن مع مطالب متزايدة بمحاسبة قيادات الكيان على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إلى جانب انتهاكات وملفات فساد ارتبطت بفترة حكمه.
ويرى محمد الناير، المتحدث باسم حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، أن الكيان لن يتمكن هذه المرة من تكرار تجارب سابقة نجح خلالها في إعادة تقديم نفسه بأسماء جديدة.
ويقول الناير: “الإخوان من أكثر التنظيمات التي غيرت مسمياتها وواجهاتها عبر التاريخ، لكن البيئة السياسية المحلية والإقليمية والدولية تغيرت، ولم تعد المناورة بالأسماء كافية لتجاوز الحقائق القائمة”.
مخاوف من العودة
وتثير محاولات العودة عبر كيانات جديدة مخاوف من استخدام هذه الواجهات لإعادة بناء شبكات الكيان السياسية والمالية والأمنية، بما قد يعيد السودان إلى دائرة الضغوط والعقوبات الدولية.
وخلال الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، ارتبطت مجموعات وكتائب و ميليشيات مسلحة تابعة للكيان بانتهاكات واسعة شملت قتل وتعذيب مدنيين وقصف مرافق مدنية وهدم مزارات دينية، كما برزت تقارير تتحدث عن صلات مع جماعات جهادية وإرهابية مثل تنظيمي القاعدة و داعش .
واقع مختلف
ويقول المحامي والخبير القانوني معز حضرة إن الكيان اعتمد لعقود على سياسة تغيير الأسماء والواجهات لتجاوز الأزمات، لكنه يواجه اليوم واقعًا مختلفًا.
ويضيف: “نجح الكيان سابقًا في الاختباء خلف مسميات متعددة، وغير اسمه أكثر من 7 مرات، لكن هذه الاستراتيجية أصبحت مكشوفة داخليًا وخارجيًا، ما يجعل فرص نجاح محاولة جديدة أكثر صعوبة من أي وقت مضى”.
ويقول خالد عمر يوسف: “14 مليون شردوا من منازلهم ولا يعرفون متى سيعودون اليها، و25 مليون شخص في حاجة لمساعدات إنسانية لا يملكون قوت يومهم. موت ودمار كل يوم في كل بقعة من أرجاء السودان. غلاء فاحش، وانهيار لقيمة الجنيه السوداني وانعدام للوقود والكهرباء، ولا تعليم أو علاج يغطي حاجة الناس. ذل ومهانة لقطاعات واسعة من أهل السودان في منافيهم الإجبارية، وبلاد تعيش انقسام أمر واقع وتفتك بها الصراعات وتسير بسرعة الصاروخ نحو التشظي والتفتت.
كل ذلك لا يهم البرهان في شيء.. ما يهمه ويبتغيه هو أن يجلس على كرسي الحكم كيفما اتفق.. حكم سودان واحد أو جزء من السودان.. حكم على جثث الأبرياء”.
في ظل المتغيرات السياسية والإقليمية والدولية، تبدو محاولة الكيان الأخيرة لإعادة التموضع أكثر تعقيدًا من سابقاتها، وسط رفض شعبي مستمر، وضغوط قانونية وسياسية متزايدة، وتساؤلات متنامية حول قدرة الكيان على استعادة نفوذه عبر واجهات جديدة بعد سنوات من السقوط والعزلة.
إعادة إنتاج حضور سياسي عبر تحالفات جديدة بعد تراجع النفوذ والعزلة الدولية









