دخلتُ مدينة أم القيوين قبل أكثر من شهر، وأنا أحمل في صدري جنازتين، وفي عينيّ أربعة أيتام، وفي روحي سؤالًا يعصف بي: كيف نواجه هذا الحرمان المفاجئ الذي انقضَّ على قلوبنا ورؤوسنا؟.
هو حرمان أفقدني شخصيًا “يوسف سراج الدين” وأمَّه “هدى رضوان”، اللذين اقتسما الطريق ثم الموت، وتركيا وراءهما أربعة أطفال: باسل، ورفقة، ورهان، وماهر. أربعة أطفال ما زالت أجنحتهم طرية، ألقاها الموت في اليتم دفعة واحدة.
جئتُ إلى مدينة تُعرف بصداقتها للذكاء الاصطناعي والمدن الرقمية، لكني كنت خائفًا أن تكون الآلات قد ربحت المعركة، وخسرت القلوب. لكن أم القيوين قالت لي بصمتها النبيلة أن الحضارة تبدأ من رقة القلوب، وأن الذكاء إذا لم يخدم الرحمة فليس سوى آلة.
رأيت التكنولوجيا، لكنني رأيت الإنسان قبلها، والقيم تمشي أمام الشاشات، لا خلفها. كأن الأصالة والمعاصرة قد تصالحا أخيرًا.
صدر قرار تكفل كامل بالأيتام الأربعة: بيت، تعليم، رزق، إقامة، عبر مؤسسات حكومية وشعبية. رأيت في الحقيقة أياديه البيضاء، ورأيت سواعده تتحرك بنبل عبر مؤسسة سعود الخيرية، وإدارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة، والهيئة الاتحادية للهوية والجنسية وأمن المنافذ.
خرجتُ من الديوان، لأدخل إلى الديوان الأكبر: ديوان الناس، وهنا كانت مفاجأتي الأعظم. أدركت أن مفاتيح الخير في أم القيوين لا يحركها قرار حكومي فحسب، بل هي عادة اجتماعية تسري كالهواء.
رأيت بيوتًا تُفتح، وقلوبًا تُفتح، وأكفًا تمتد، لا لأنها تعرف أصحاب المصيبة، لكن لأنها تعرف خالقهم. هنا لا يُسأل الغريب: من أنت؟ بل يُسأل: ماذا ينقصك؟ ولا يُنظر إلى اليتيم على أنه عبء، بل على أنه وديعة ربانية وأمانة.
هنا تحولت الأخلاق من سلوك فردي إلى ثقافة عامة، ومن استثناء إلى قانون غير مكتوب. أم القيوين ليست مجرد مدينة، إنما هي درس في كتاب مفتوح.
جعلتني “أم القيوين” أكتشف أن المدن ليست أبراجًا ولا طرقًا ولا عمرانًا، وأن المدينة الحقيقية هي بعدد القلوب التي تنبض داخلها. رأيت هنا قلوبًا كثيرة، لكنها كانت تخفق كلها بنبض واحد.
رأيت بلدًا يجيد صناعة الإنسان قبل أن يجيد صناعة المدن، بلدًا لا يكتفي ببناء الأبراج، بل يبني الطمأنينة، ولا يكتفي بإدارة الاقتصاد، بل يدير الرحمة أيضًا.
لذلك، إذا سألني أحد: ما هي أم القيوين؟ سأقول له: هي مدينة اكتشفتُ فيها أن الله إذا أغلق بابًا بالموت، فتح أبوابًا كثيرة تحمل معانى الحياة، وأن رحمته تتجسد في هيئة إمارة، أو شيخ، أو مؤسسة، أو شعب كامل. شكرًا لأم القيوين، شكرًا لشيخها، ولرجالها، ولنسائها، ولأهلها. فالخير، حين يفيض من أهل إمارة أو مدينة، يصبح وطنًا، ويصبح الوطن نفسه اسمًا آخر للرحمة يمشي على قدمين.









