يبدو أن هذا التطور الإجرائي يتقاطع مع مشهد أكثر تعقيداً، حيث أكدت إيران عدم إدراج نقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب للخارج ضمن المقترحات، في ظل تصاعد التحركات العسكرية الإسرائيلية وتحولات تشير إلى خيبة أمل أميركية. تتبلور هنا معادلة مزدوجة بين نافذة تفاهم صامتة وبين تصعيد يُحضّر علناً، وتقف جنيف أمام اختبار حاسم بين تشدد المطالب الأميركية وتمسك طهران بثوابتها. يطرح السؤال هنا: هل سيشكل “التقدم الملموس” اختراقاً فعلياً يجمّد الانزلاق نحو المواجهة، أم أن التعثر التكتيكي سيشعل شرارة مواجهة تبدو أقرب من أي وقت مضى؟
أشار مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث، رمضان أبو جزر، إلى أن الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران تقترب من الانفجار، مع توقعات شبه مؤكدة لتوجيه ضربة أميركية للنظام الإيراني. وأوضح أن المفاوضات تجري تحت ضغط شديد، حيث ترفض واشنطن أي اتفاق على إخراج اليورانيوم المخصب أو المدد الزمنية لاستئناف التخصيب، مع رفض إيران مناقشة ملف الصواريخ الباليستية. وأحذر أبو جزر من احتمالية حدوث ضربة أميركية أثناء وجود المفاوضين في فيينا، معتبراً سلوك الوفد الأميركي والانشغال بملف أوكرانيا دليلاً على عدم الجدية واستهانة بالملف الإيراني.
من منظور الرهانات الإيرانية، يرى أبو جزر أن طهران قد تلجأ لتقديم تنازلات اقتصادية أو دبلوماسية، مثل منح صفقات للولايات المتحدة أو التطبيع مع إسرائيل، وهو ما يعكس تحولاً في السياسة الإيرانية بعيداً عن شعارات الثورة. كما يرى أن الرئيس الأميركي يواجه ضغوطاً سياسية داخلية، وأن الضربة قد تكون مخرجاً له، معتبراً أن الولايات المتحدة تملك القدرة على توجيه ضربة قوية دون الحاجة للمفاجأة، مدفوعة برغبة في فرض سياسات إقليمية. وخلص إلى أن إيران تواجه عزلة دولية، وأن نهاية المفاوضات ستؤدي حتماً إلى ضربة عسكرية استنزفت إيران عسكرياً وسياسياً دون أن تتمكن من الردع.
من جانبها، أشارت دانيا قليلات الخطيب، مديرة مركز التعاون وبناء السلام للدراسات، إلى الفجوة الكبيرة بين المواقف، مشيرة إلى أن واشنطن تضع شروطاً صارمة تشمل الصواريخ الباليستية، التي تعتبرها إيران أداة ردع لا تتنازل عنها. وأوضحت أن الانتخابات الأمريكية المقبلة وشعبياً واسعاً ضد الحرب (80%) يلعبان دوراً في صياغة القرار. كما حذرت من أن الضربات غير مستدامة، وأن إيران تعيد بناء قدراتها بسرعة، وتعتمد حالياً على الدعم الروسي والصيني، وأن أي ضربة قد تدفعها لتعديل دستورها للسماح بقواعد أجنبية. ودعت إلى الحل عبر مفتشين وصفقة عادلة بدلاً من الضربات العشوائية، مؤكدة أن محاولة تغيير النظام الإيراني ستؤدي لفوضى غير محسوبة بسبب غياب المعارضة الداخلية القوية.
ولخص توم حرب، مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية، سياسة المماطلة الإيرانية في المفاوضات، موضحاً أن الهدف منها هو كسب الوقت للحفاظ على وجود الأساطيل الأميركية في المنطقة. وأكد أن النظام الثيوقراطي يواجه خياراً محدداً بين الاستجابة للشروط القاسية أو مواجهة “انتحار” سياسي، نظراً لتفضيله الموت على التنازل. ورأى أن الخطاب الأميركي الأخير واستنزاف القوات العسكرية يهدفان إلى إعداد الرأي العام وفرض صفقة تجارية بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، معتبراً أن المفاوضات لم تحقق تقدماً ملموساً.









