رغم توجيهات رئيس مجلس السيادة، رئيس المجلس الأعلى للنفط، بفتح عطاءات عالمية لاستيراد الوقود، ورغم رسو العطاء على ثلاث شركات عالمية، تظل إجراءات فتح الاعتمادات المصرفية للشركات الفائزة معلقة حتى اليوم. شركة “فيتول” أرسلت باخرة محملة بالوقود، لكنها لا تزال راسية بالقرب من الموانئ السودانية بانتظار اكتمال الإجراءات المصرفية اللازمة لتفريغ حمولتها. بينما تنتظر شركة “ترافيقورا” إجراءات الاعتمادات لوصول باخرتها المقرر في 15 نوفمبر، وهي شحنات يفترض أن تسهم في تخفيف الأزمة، لكن الإجراءات الحكومية لا تزال تعطل وصولها إلى المستهلك. وفي المقابل، يواصل ملايين السودانيين الوقوف في صفوف الوقود، يدفعون من وقتهم وأعصابهم وأرزاقهم ثمن هذا التعطيل.
تشير المعلومات إلى أن بنك السودان منح المؤسسة الوطنية للنفط سعر صرف مدعوم يبلغ 2600 جنيه للدرهم، في حين منح سعراً مدعوماً يبلغ 1800 جنيه للدرهم للشركات المحلية الأربع التي كانت تحتكر الاستيراد. وبروز هذا التساؤل الأكثر أهمية: ما المبرر لمنح الشركات الأربع سعراً تفضيلياً للعملة الأجنبية وأقل من السعر الممنوح للمؤسسة السودانية للنفط والتي تمثل القطاع الحكومي في استيراد الوقود؟ وفي الوقت نفسه، رسى العطاء العالمي على شركات قادرة على توريد الكميات المطلوبة لتغطية احتياجات البلاد بأسعار معقولة، تضاف إليها كلفة الشحن والمصروفات الأخرى.
الأكثر إثارة للريبة أن بواخر الشركات الفائزة بالعطاء العالمي لا تزال، منذ 18 أكتوبر، في انتظار اكتمال الإجراءات الحكومية التي تسمح بتفريغ شحنتها، بينما وصلت باخرة تتبع لإحدى شركات الوقود المحلية الأربع واستكملت إجراءات وصولها إلى السوق بكل يسر. إن تزامن هذه الوقائع يفرض أسئلة حول ما إذا كانت هناك جهات تعمل على إفراغ قرارات الرئيس من مضمونها، وإبقاء السوق رهينة للشركات المحلية المستفيدة من نظام استيراد الوقود القائم. عندما تتعطل شحنة جاءت عبر عطاء عالمي معلن، وتستمر الإمدادات عبر القنوات التي يستفيد منها المحتكرون، يصبح من حق الرأي العام أن يعرف من يعرقل الإجراءات ولمصلحة من يحدث ذلك.
وتكشف معلومات أخرى عن مساع لفتح الاعتمادات المصرفية عبر بنك النيلين، في خطوة قد تتسبب في عزوف الشركات العالمية عن التوريد إلى السودان، إذا وجدت نفسها أمام إجراءات غير مستقرة أو ترتيبات مصرفية لا توفر لها الضمانات اللازمة. والنتيجة المحتملة لا تحتاج إلى كثير من الشرح، انسحاب الموردين العالميين، واستمرار اعتماد السوق على عدد محدود من الشركات المحلية، ثم ترك المواطن السوداني يواجه الأسعار التي تفرضها الندرة واضطرابات السوق، بينما تحصل تلك الشركات على النقد الأجنبي المدعوم من موارد الدولة.
لكن الأخطر من ذلك ما تشير إليه معلومات مؤكدة بشأن مضاربة في السوق السوداء للعملات، باستخدام الدرهم المدعوم المخصص لاستيراد الوقود. هذه المعلومات تكشف عن استغلال لموارد عامة يفترض أن تسخر لتأمين سلعة استراتيجية تمس حياة المواطنين والاقتصاد الوطني بأكله.
استمرار أزمة الوقود، بالتزامن مع الانهيار في إمدادات الكهرباء، لا يضاعف معاناة المواطنين فحسب، بل يضع الدولة نفسها أمام امتحان خطير. تخيل أن الكهرباء تنقطع عن البلاد لساعات طويلة، بينما يعجز المواطن عن الحصول على الوقود اللازم لتشغيل مولداته، وتتأثر المصانع والمستشفيات ومؤسسات الدولة، التي تفقد تدريجياً القدرة على تقديم الخدمات الأساسية. في مثل هذه الظروف، يصبح الوقود جزء من معركة بقاء الدولة واستقرارها. وكل يوم يمر دون معالجة حقيقية للأزمة يضيف عبئاً جديداً إلى حياة السودانيين، ويمنح خصوم السلطة فرصة لتوسيع فجوة الغضب بينها وبين المواطنين.
هناك من يستفيد من استمرار هذه الأزمات، وهناك من يعمل، بفعله أو تقاعسه، على تقويض الثقة في قيادتك وإثارة غضب الشارع. لذلك، فإن مسؤوليتك لا تقف عند إصدار القرارات، بل تمتد إلى ضمان تنفيذها، ومحاسبة كل من يعطلها أو يفرغها من مضمونها. افتح هذا الملف بلا مجاملة، واطلب كشفاً كاملاً بإجراءات العطاءات والاعتمادات المصرفية، وأسعار الصرف المدعومة، والجهات التي حصلت عليها، وأوجه استخدامها. وجه بالتحقيق في أسباب تأخر شحنات الشركات الفائزة، وفي المعلومات المتعلقة بمساعي تحويل الاعتمادات والمضاربة بالعملة المدعومة، مع نشر الحقائق للرأي العام ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته. لا تسمح لتماسيح الوقود بأن تجعل من معاناة السودانيين وسيلة لحماية مصالحها، ولا تسمح بأن تصبح القرارات السيادية حبراً على ورق. لقد ساندك قطاع من الشعب السوداني في معركة الدفاع عن الدولة والسيادة الوطنية، لكنه ينتظر اليوم أن يرى أثر تلك المعركة في حياته اليومية، من خلال توفر الوقود واستقرار الأسواق، وأن يشعر بأن موارد بلاده لا توظف لمصلحة قلة على حساب الملايين. إن حماية السلطة تبدأ بحماية مصالح الشعب، وإن هيبة الدولة لا تظهر في عدد القرارات التي تصدرها، بل بقدرتها على فرض تنفيذها ومحاسبة من يتجاوزها. فإما أن تنتصر إرادة الدولة على شبكات المصالح، أو تترك شبكات المصالح الدولة تدفع ثمن عجزها عن فرض إرادتها.









