قال السفير الحارث إدريس الحارث، مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، إن رسالة الرئيس عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، إلى الرئيس دونالد ترمب تؤكد ثمن السودان لاهتمام الولايات المتحدة بتحقيق السلام، لا سيما إعلان الإدارة الأمريكية في 19 نوفمبر 2025 عن عزمها إنهاء الحرب في السودان. وأوضح أن السلام هو الخيار الاستراتيجي منذ أن ابتدرت الحكومة السودانية تصورًا لإنهاء الحرب في عام 2024، الذي تبلور في إعلان جدة في مايو 2023 برعاية الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية.
ونوه الحارث إلى أن البرهان تقدم بملاحظات فنية لحماية المدنيين وحقوق المجتمعات السودانية ضمن ترتيبات واضحة وملزمة للتنفيذ والتحقق، بهدف التمهيد لوقف دائم لإطلاق النار وسلام شامل يحفظ سيادة السودان ووحدة وسلامة إقليمه وأراضيه.
وأكد أن نجاح أي هدنة إنسانية بغرض حماية المدنيين يتطلب إنهاء سيطرة المليشيا على المرافق المدنية ومساكن المدنيين، مما أوجب ضرورة الاتفاق على جدول زمني لانسحابها إلى نقاط تجميع تحت رقابة دولية، بالإضافة إلى ضرورة إخراج المرتزقة الأجانب من أراضي البلاد وكبح تدفقات السلاح والتمويل إلى المليشيا، وذلك لضمان عدم استغلال الهدنة لإعادة تسليح المليشيات التي ارتكبت جريمة إبادة وللحيلولة دون تقسيم البلاد. كما أن ذلك يخدم أغراض توحيد القوات العسكرية المختلفة في البلاد تحت هيكل جيش وطني واحد يؤدي دوره الدستوري بشكل مهني واحترافي.
وأكد الحارث في البيان الوطني لجمهورية السودان أمام جلسة مجلس الأمن عن السودان أن القرار 2736 أعطى السودان الملكية الوطنية في صنع السلام، ولذلك لابد من أن يحظى أي اتفاق سلام بالقبول الجماهيري مع تحديد مسبق لآليات تنفيذه، بالإضافة إلى ضرورة اتخاذ تدابير نوعية تجاه مؤججي الحرب والجهات التي تمد المليشيا بالسلاح والمال والمرتزقة، وبذل جهود دولية لتفكيك شبكات الاتجار بالحرب وانتشار الأسلحة غير المشروعة بين الجماعات المسلحة غير الحكومية في المنطقة.
وأكد ضرورة الحفاظ على قدرة مؤسسات الدولة لتوفير حماية المدنيين وتنفيذ القانون والقيام بواجباتها في حماية البلاد مع وحدة تمثيلها واصلاحها لاستدامة السلام ومنع حدوث الفراغ الأمني، والالتزام بالتحول الديمقراطي المدني ليقرر أهل السودان مستقبل نظام الحكم عبر آلية الحوار الوطني الجامع داخل السودان مع وجود جيش وطني واحد وضمان حقوق المشاركة السياسية السلمية والمساءلة عن الجرائم. وهذا بمنع توظيف السيطرة المسلحة للحصول على استحقاق في حكم البلاد أو إضفاء شرعية على وحدات إدارية موازية أو أفراد.
وقال إنه فيما تهيئ الحكومة للحوار السوداني – سوداني القائم على الملكية الوطنية لصنع السلام وصلاً بقرار المجلس رقم 2736 وطابعه الشمولي وغايته السلام المجتمعي والمصالحة الوطنية حسب أطروحة رئيس الوزراء المدني، فإن تلك العملية تتضمن عدة فواعل وطنيين. وتهدف الحكومة إلى تحقيق الأهداف التالية عبر توسيع الفضاء المدني وتحديد الأطر لمعالجة آثار الدمار الذي خلفته الحرب.
وأكد أن ذلك يتضمن الوفاق بين مختلف ومؤتلف القوى السياسية المدنية لوقف الحرب، محاصرة خطاب الكراهية والعنصرية ورتق الفتوق التي طالت النسيج الاجتماعي السوداني، توحيد الصف لإعادة الإعمار ومخاطبة الأزمة الإنسانية ومكافحة الإفلات من العقاب بتفعيل العدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الفظائع وجرائم الحرب.
ونوه إلى أن السعي إلى إسكات بنادق المعتدين والمرتزقة بالارتباط الإيجابي مع مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي الذي زار وفد منه رفيع المستوى الخرطوم مؤخرًا، مؤكداً على احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه ووحدته الوطنية وتطلعات الشعب السوداني لاستعادة الاستقرار وبناء التنمية وإرساء دعائم الحكم الديمقراطي، مكرراً رفضه لمحاولات إنشاء كيانات أو حكومات موازية تمس وحدة السودان وتعزيز التوافقات الوطنية وشمولية العملية السياسية للتوصل إلى انتخابات حرة ونزيهة.
ولفت إلى أنه تم إنشاء لجنة تهيئة الحوار السوداني – السوداني إيذاناً بدفع جهود صناعة السلام بالملكية الوطنية السودانية، والتي ابتدرت المشاورات لإعداد معايير المشاركة ومنهجية العمل والتمثيل دون فرض مخرجات نهائية، وهي بذلك تمديداً لفضاء الحوار الوطني التعددي لتحقيق التوافق الوطني وإدارة التباين والاختلاف بشكل سلمي.
وقال إن السلام الإيجابي ليس مجرد اتفاق ورقي لإنهاء الحرب، وإنما عملية تعددية تسعى خلف خطوط النزاع للبحث عن تسوية لجذوره وتوصيف جوهره لتفادي تكراره مستقبلاً. ولتعزيز دور اللجنة، أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ضمانات واعفاءات تتضمن شطب البلاغات بحق السودانيين المعارضين ومواقفهم السياسية وضمان حماية أو حصانة قانونية مؤقتة للمشاركين في الحوار، وبموجب الحصانة لا يمكن اتخاذ إجراءات جنائية بسبب آراء ومواقف المشاركين، ويشمل ذلك التسهيلات والحماية اللازمة وعدم التدخل الحكومي في عملية انتقاء أطراف الحوار أو أجندته أو مخرجاته، وحتى يتم بناء الحوار بمساهمة السودانيين في خارج البلاد لتعزيز عنصر الشمول الوطني واستقلال عملية الحوار وما يصدر منه من قرارات وفق الملكية السودانية الوطنية.
وقال إن الحكومة السودانية من جهتها ستقوم بحصر دورها في توفير الضمانات القانونية والحماية الأمنية اللازمة والتسهيلات اللوجستية وحماية المشاركين وعدم التدخل في الحوار أو التأثير عليه. وسوف تضم عملية الحوار القطاعات التالية كأصحاب للمصلحة: القوى السياسية والمدنية، الإدارات الأهلية والمجتمعات المحلية، النساء والشباب والفتيات، اللاجئون والنازحون، المهنيون والأكاديميون، منظمات المجتمع المدني، رجال الأعمال والقطاع الخاص، ممثلي الأقاليم والولايات، والقطاعات الهشة المتأثرة بالحرب.
ولكي لا تتضرر عملية المساءلة القانونية وعدم الإفلات من العقاب، سيتم النظر في الفظائع والانتهاكات وحقوق الضحايا وفق معالجة مستقلة. وبوسع الشركاء الإقليميين والدوليين تقديم الدعم اللوجستي وبناء القدرات وتوفير الخبرات بدون أن يكونوا أطرافاً مؤثرة في الحوار الوطني، أي أن تعميم عملية الحوار ورعايته ووضع مخرجاته لن تكون في خارج السودان.
وأكد أن الحوار السوداني – سوداني لا يقتصر على النخب وتقوده لجنة وطنية مستقلة بعد تهيئة البيئة المواتية لتحقيق السلام. وعلى الحوار أن يعقد في مراحله النهائية داخل السودان بمشاركة واسعة وشاملة. وموقف الدولة أن الحرب تنتهي بنهاية التمرد المدعوم خارجياً، ويعني ذلك وضع حد للقوة العسكرية لمليشيا الدعم السريع التي تريد فرض أجندة ومشروع سياسي أجنبي بقوة السلاح، ولذلك فإن الحوار السوداني – سوداني يأخذ ضرورته من صيرورة الحرب، ولذلك تطالب الدولة بخروج القوات المتمردة من المدن والمواقع التي تسيطر عليها انتهاكاً لما وقعت عليه من اتفاق جدة في مايو 2023، ثم يتم تنفيذ عملية التسريح ونزع السلاح وإعادة الدمج كشرط لابد من تحقيقه هذه المرة، لأنه السبب الرئيس في بقاء السلاح في أيدي المجموعات المسلحة التي تريد أن تجعل من حمل السلاح مشروعية لأساس الحكم بينما تطالب قيادة الجيش أن حصر السلاح في يد الدولة هو العامل المهم الذي سيقود إلى تحقيق السلام وذلك استفادة من الأخطاء التي ارتكبت بالماضي بترك السلاح سائباً في أيدي الجماعات المسلحة. ولذلك طالما بقيت هناك قوة أو مجموعات مسلحة موازية للدولة أو منازع لسلطتها بالتوازي، فإن وقف الحرب يتطلب نزع سلاح هذه المجموعات وقفل الطريق أمام أي تعويل على السلاح لكي يكون وسيلة لمنازعة السلطة المركزية للدولة الإتحادية.
وأكد أن أقصر السبيل للوصول إلى الحكم الديمقراطي أن ينهي التمرد العسكري حتى لا يعتمد وسيلة للصراع على مستقبل السلطة، لأن المليشيا أشعلت الحرب اعتماداً على تفوق واضح في الميزان العسكري لصالحها عملت على توظيفه للسيطرة على السلطة، وتريد تفكيك الجيش تحقيقاً لبرنامج رعاتها الإقليميين لتحل هي مكانه، ولذلك فإن رؤية المعارضة السياسية المتحالفة صراحة أو خفاء مع مليشيا الدعم السريع تتكامل مع مرئيات المليشيا. وهذه الرؤيا تعني أن قوة المليشيا العسكرية لا تنتهي بوقف إطلاق النار، وإنما تتحول من قوة مقاتلة إلى طرف في الهندسة السياسية والترتيبات الأمنية اللاحقة، وأن يتم تقديم حافز سياسي وعسكري لمليشيا الدعم السريع وتمكينه من تحويل تلك الوضعية إلى مدخلات ورأس مال سياسي بدون اعتبار لما ارتكبته من إبادة وفظائع على ملء وسمع العالم.
نقاط أساسية: الرؤيا المركزية لحكومة السودان تتلخص في التالي: معالجة الأزمة الإنسانية بالتعاون مع الأمم المتحدة والشركاء الإنسانيين، توسيع نطاق الممرات الآمنة لتوصيل الإغاثة، فك الحصار عن دارفور وكردفان، حماية المدنيين والنازحين والمشردين والمقيمين في المعسكرات، عودة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم، إطلاق سراح الأسرى والمخطوفين والمحتجزين عبر آلية وطنية وأممية وإقليمية، تدابير بناء الثقة وتهيئة المناخ للحوار الحر، تحقيق سلام مجتمعي ومصالحة وطنية، احترام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ضمان حق الحياة وحرية التحرك الآمن للمدنيين، تحقيق العدالة الانتقالية، احترام حقوق الإنسان، مساهمة النساء والشباب والمجتمع المدني، المشروعية الديمقراطية أساس الحكم بنهاية المرحلة الانتقالية وخوض انتخابات عامة، مشروعية دور الجيش في الدفاع عن السيادة والوحدة الإقليمية للبلاد، توسيع الفضاء المدني وتحقيق الشمول الممكن.









