لم تعد الفيضانات والجفاف وموجات الحر في إفريقيا مجرد كوارث موسمية تتسبب في خسائر مادية مؤقتة، بل باتت في مناطق واسعة محفزات لأزمات إنسانية.
وتجسدت أبرز مظاهر تطرف المناخ في القارة في الفيضانات المدمرة في غرب ووسط إفريقيا، حيث شهدت نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية فيضانات قاتلة خلال الأشهر الماضية، أدت إلى سقوط مئات الضحايا، وألحقت أضرارا بالمساكن والطرق والمحاصيل، بينما تشهد مناطق واسعة من شرق وغرب إفريقيا موجات جفاف واسعة ألقت بظلال قاتمة على الأمن الغذائي.
وحذر خبراء أن خطورة هذه الظواهر تكمن في أنها لا تنتهي بالضرورة بانحسار المياه أو عودة الأمطار، إذ تترك وراءها أراضي زراعية مدمرة، ومواشي نافقة، وأسواقا معطلة، وأسرا فقدت دخلها ومساكنها، لتتحول الصدمة المناخية إلى أزمة طويلة الأمد من النزوح والجوع والفقر.
وفي ظل هشاشة المجتمعات الإفريقية التي يعتمد أكثر من 60 بالمئة منها على الزراعة المطرية والرعي، وضعف البنية التحتية، ومحدودية شبكات الحماية الاجتماعية، ونقص أنظمة الإنذار المبكر، تتزايد كلفة الصدمة المناخية بشكل أكبر.
تتجلى الظواهر المناخية المتطرفة في إفريقيا في تقلبات حادة تجمع بين الأمطار الغزيرة والفيضانات من جهة، والجفاف والحرارة الشديدة من جهة أخرى، مع تداعيات متشابكة على الأمن الغذائي.
وفي هذا السياق، يشير مستشار أنظمة البيئة العالمية طلعت دفع الله إلى أن التطرف المناخي في إفريقيا لا يعود إلى شدة الظواهر الطبيعية وحدها، لكن إلى اجتماع الخطر المناخي مع هشاشة اقتصادية وبيئية ومؤسسية مزمنة.
ويوضح: “يزيد الاحترار العالمي من موجات الحر، ويغير أنماط الأمطار، ويرفع احتمال الجفاف والأمطار الغزيرة والفيضانات في مناطق مختلفة من القارة”.
وينبه دفع الله إلى أن الفقر والنزاعات والنزوح وضعف مؤسسات الدولة تزيد من حدة الظاهرة، فضلا عن تدهور الأراضي وإزالة الغابات والإفراط في استغلال المراعي والموارد المائية.
وتشير توقعات مناخية إلى احتمال هطول أمطار أعلى من المعتاد في أجزاء من كينيا والصومال وأوغندا وإثيوبيا وجنوب السودان خلال الربع الأخير من العام الجاري.
وفي الخامس من أكتوبر الماضي، أفادت بوقوع وفيات وأضرار في البنية التحتة بعدة مناطق من السنغال، إثر أمطار غزيرة وفيضانات خلال عطلة نهاية الأسبوع، مع تحذيرات من احتمال استمرار الأمطار.
وفي الصومال وإثيوبيا وكينيا، حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من ارتفاع مخاطر الفيضانات خلال موسم الأمطار من أكتوبر إلى ديسمبر 2026، وسط توقعات بهطول أمطار أعلى من المعتاد في أجزاء واسعة من البلاد مما قد يؤدي ذلك إلى تدمير المحاصيل ونفوق الماشية وتعطيل الأسواق وزيادة النزوح.
أما في نيجيريا، فقد أثرت الفيضانات التي ضربت 15 ولاية خلال الأسبوعين الماضيين على نحو 228 ألف شخص، وأدت إلى نزوح أكثر من 132 ألفا. وأبلغت أسر متضررة عن تلف المساكن ونقص الغذاء ومياه الشرب الآمنة.
وعلى النقيض، تتزايد المخاوف جنوبي القارة من موسم زراعي جاف في زيمبابوي وموزمبيق وملاوي وزامبيا ومدغشقر، حيث تتوقع شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة أمطارا دون المعدلات المعتادة، وفترات جفاف ممتدة، ودرجات حرارة أعلى من المتوسط خلال موسم الأمطار من أكتوبر 2026 إلى مارس 2027، مما ينعكس سلبا على إنتاج الذرة والمحاصيل الغذائية.
وفي غرب إفريقيا، تشهد مناطق مثل تشاد والنيجر ومالي عجزا مطريا تجاوز 40 بالمئة عن المتوسط خلال موسم الأمطار لعام 2026، مع آثار على نمو المحاصيل والمراعي.
وأدى انخفاض الأمطار في السودان وجنوب السودان خلال الموسم الممتد من يونيو إلى سبتمبر 2026 إلى تراجع الإنتاج الزراعي والمراعي في مناطق واسعة من البلدين.
تثير الظواهر المناخية المتطرفة قلقا بالغا في أنحاء إفريقيا كافة، إذ تشير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى تضرر 45 بالمئة من إجمالي مساحة القارة، البالغة نحو 30 مليون كيلومتر مربع.
وفي حين ضربت موجات الجفاف نحو 40 بالمئة من مساحات دول في شرق إفريقيا، كان تأثير الفيضانات أكبر على دول مثل نيجيريا، إذ تضرر منها نحو 580 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل 64 بالمئة من إجمالي مساحة البلاد البالغة 909 آلاف كيلومتر مربع.
ويعزو رئيس وحدة البيئة بمركز البيئة والتنمية في نيجيريا تامي كوكي، تفاقم الظاهرة إلى الأنشطة البشرية الضارة، مثل استخراج النفط وحرق الغاز والتلوث، التي تؤدي إلى تدهور الأراضي وتدمير النظام البيئي.
ويوضح: “نجمت عن هذه الأنشطة ظواهر متطرفة تجسدت في فيضانات وحالات جفاف واسعة في عدد من الدول”.
ووفقا لكوكي، فإن معظم الدول الإفريقية تفتقر إلى قوانين موحدة للحد من تداعيات تغير المناخ.
ويقول: “تقتصر الأطر القانونية المعمول بها حاليا في معظم الدول الإفريقية على تشريعات مجزأة، بدلا من وجود قانون موحد يعزز حلول التكيف القائمة على النظم البيئية كوسيلة لمواجهة مخاطر الصدمات المناخية”.
ويشدد كوكي على ضرورة تبني نهج “تكيف بيئي” يعتمد على التنوع البيولوجي والنظم البيئية الطبيعية لمساعدة المجتمعات على التكيف مع آثار تغير المناخ.
وفقا لتقرير حديث صادر عن نظام الإنذار المبكر بالمجاعة، فإن ظاهرة التطرف المناخي تنذر بتداعيات خطيرة على الأمن الغذائي.
وتعد المناطق ذات الموسم المطري الواحد في شرق إفريقيا وجنوب القارة الأكثر إثارة للقلق، إذ من المتوقع أن تؤدي ظاهرة “النينيو” في كلتا المنطقتين إلى موجات جفاف واسعة النطاق، وأن تكون المحرك الرئيسي لارتفاع الاحتياجات إلى المساعدات الغذائية في عام 2027.
وفي حين يُتوقع أن تتركز التأثيرات الأكبر على الأمن الغذائي في المناطق المتأثرة مباشرة بندرة هطول الأمطار أو الجفاف المتطرف، فمن المرجح أن تظهر تأثيرات غير مباشرة عبر حركة التجارة والأسواق الإقليمية والدولية، وتبرز هذه المخاطر غير المباشرة المرتبطة بالواردات بشكل خاص في الجنوب الإفريقي من خلال تجارة الذرة الإقليمية، وفي غرب إفريقيا من خلال الواردات الدولية.
وتزيد الظاهرة من قابلية التأثر بالصدمات المستقبلية من خلال استنزاف قدرة الأسر على التكيف، ففي المناطق التي تتضرر فيها سبل العيش ولا تكون عمليات التعافي كافية، ستواجه الأسر صعوبات أكبر في التعامل مع الصدمات اللاحقة.
وتسببت موجات الجفاف وعدم انتظام الأمطار والفيضانات في العديد من البلدان الإفريقية في تراجع المحاصيل بنحو 40 بالمئة، وفق تقديرات الأمم المتحدة، ونفوق أعداد كبيرة من الماشية، مما أفقد معظم الأسر الريفية مصادر دخلها.
ووفق تقرير مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي صدر في يونيو 2026، تواجه عدة دول إفريقية مستويات خطيرة من الجوع، وفي مقدمتها السودان، وجنوب السودان، والصومال، وشمال شرقي نيجيريا.
وفي السودان، يواجه نحو 19.5 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينما يتوقع تحليل الأمن الغذائي الصادر عن الأمم المتحدة أن يواجه 5.4 مليون شخص في الصومال مستويات أزمة أو أسوأ بين أكتوبر وديسمبر 2026، بينهم 1.5 مليون في حالة طوارئ غذائية أو أسوأ.
كما يواجه أكثر من 26.5 مليون شخص في جمهورية الكونغو الديمقراطية صعوبات حادة في تلبية احتياجاتهم الغذائية.
وتوقع تقرير الأمم المتحدة أن يواجه نحو 34.8 مليون شخص في نيجيريا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.
المناخ المتطرف في أفريقيا: من الكوارث الموسمية إلى أزمات إنسانية طويلة الأمد









