تثير حديث المجالس السودانية حول بنك السودان المركزي والوقود والدولار والعملة، توقعات واسعة حول إمكانية حذف الأصفار من العملة السودانية، وأحياناً تصل إلى حد المبالغة. فمن يفتي حول هذا الأمر، ومن يطرح تساؤلات حول الإجراءات المتوقعة، مستنداً إلى معلومات سمعها من مصادر مصرفية أو قرأها على منصات التواصل الاجتماعي.
يُذكر أن السودان شهد تغييرات كبيرة في العملة الوطنية عدة مرات، بدءاً من إصدار أول عملة وطنية عام 1956، ثم تسلم بنك السودان المركزي حق الإصدار عام 1960، وتغير الورقة النقدية عام 1970 لإدخال وسائل طباعة وتأمين حديثة. وفي عام 1992، ظهر الدينار السوداني بمعدل عشرة جنيهات، مما أدى إلى عيش فترة بعملتين في جيب واحد. وفي عام 2007، عاد الجنيه السوداني وأصبح الجديد يساوي مائة دينار، أي ألف جنيه قديم.
تؤكد المادة القانونية رقم 6 من قانون بنك السودان المركزي لسنة 2002 (المعدل حتى 2012) أن إصدار العملة وتنظيمها ومراقبتها من صميم مسؤوليات البنك، كما تؤكد المادة 21 على أن للبنك دون سواه الحق في إصدار العملة. أما المادة 25، فتؤكد أن الأوراق المتداولة عملة قانونية مبرئة للذمة، وأن أي سحب منها سيتم مقابل قيمتها الاسمية. هذا يعني أن حذف الأصفار، إن حدث، سيغير طريقة كتابة الرقم وليس قيمته، حيث ستساوي الألف اليوم الشيء نفسه غداً بلا أصفار.
يتمثل هدف الاستبدال الحالي، الذي بدأ البنك المركزي في تنفيذه في ديسمبر 2024، في غلق الباب أمام النقد المنهوب والمزيف، وإعادة المال إلى القنوات الرسمية. ويشمل ذلك استبدال فئتي الخمسمائة والألف في الولايات الآمنة، بهدف كشف الحجم الحقيقي للكتلة النقدية، وإعادة للبنك المركزي قدرته على إدارة السيولة.
رغم ذلك، فإن الاستبدال وحذف الأصفار، لو حدثا، سيكونان قيمتهما في تبسيط الحساب والتسعير، واستعادة شيء من الثقة النفسية في العملة، بشرط أن يكونا جزءاً من برنامج اقتصادي أوسع، وليس بديلاً عنه. كما أن البنك المركزي يسعى إلى تقليل اعتماد السودان على النقد الورقي، وتحديث نظم الدفع الإلكترونية.
في الوقت نفسه، تؤكد المادة على أن نجاح المرحلة معلق على ثلاثة أمور، هي: أن يبقى البنك المركزي المصدر الوحيد للمعلومة عن العملة، وأن تكون التطبيقات المستخدمة مستقرة، وأن تُعلن مراحل الاستبدال بمهلة كافية ولغة بسيطة، تطمئن كل مواطن إلى أن ما في يده محفوظ القيمة. كما أن هناك حاجة إلى تطبيقات مستقرة، ونوافذ متنقلة للاستبدال وتحديث البيانات، وحلول خاصة لمناطق الحرب وللمغتربين.
الخلاصة هي أن حذف الأصفار لن يحدث شيء مما يُخيف، ولن يحدث كل ما نحلم به، لأن العملة في النهاية عقد ثقة بين الدولة ومواطنيها. والقانون وضع أسس هذا العقد منذ عقود، وبالتالي المطلوب اليوم أن نبني فوقها اقتصاداً ينتج، ونظام دفع يعمل، وخطاباً رسمياً واحداً يعرف الناس أين يجدونه، أما الأصفار، فمقدور عليها.









