المذيع في قناة أر تي التركية جمال علي يكتب من اسنطبول – المشاة على الجسر المكسور: سيرة جيلٍ سرقته الحوادث- قائلا: أقف اليوم عند عتبة عامٍ جديد من عمري، لا لأحصي السنين التي مَرّت، بل لاتأمل ذلك الأثر الذي حفرته الأيام في الروح والملامح أمام المرآة، يتآلف بياضُ الشعر مع أسوده في حوارية صامتة بين تجربةٍ ينضجها الوقار، وشغفٍ يرفض أن يشيخ.
تأتي هذه الذكرى وأنا أرقبُ غربتي الممتدة في إستانبول؛ هنا على ضفاف البسفور، حيث العابرون لا يشبهون حزني، والمآذن تهمس بلغةٍ مغايرة لصلوات الخرطوم. كم هو قاسي هذا الاغتراب حين يغدو مساحةً مجردة لرصد الفقد؛ أرقبُ الوطن المحاصر، السودان الذي ينزف ويطوي عامه الرابع تحت وطأة حربٍ لم تترك شيئاً على حاله. تبدلت الحياة كلياً؛ تلاشت الملامح التي ألفناها، تفرقت الديار، وأصبحت تفاصيل الأمس مجرد صورٍ نلتقطها من ذاكرة يثقلها الحنين ويثقبها الواقع استكشف التاريخ
لم نُولد لنحلم، بل لنشهد ولدتُ وفي أذني، مع تكبيرة الأذان الأولى، خريرُ الدم الراعاف من جرح الجنوب النازف. كانت للطفولة طعومٌ أخرى في بلدٍ يقتاتُ على الفواجع؛ كبرنا لا على وقع أغنيات المهد، بل على وقع المارشات العسكرية، وأصوات المذيعين المتعبين وهم يعلنون انقلابا عسكريا أو سقوط مدينة و أرقام الضحايا، وأسماء المفقودين في أحراش الاستوائية.
حين اشتد العود، كانت الخارطة تشتعل. عاصرنا كوابيس “الكرمك” و”قيسان”، حيث امتزج طين النيل الأزرق بدم الأشقاء، وتحت تلك الأمطار الغزيرة التي لم تكن تغسل الأجساد بقدر ما كانت تخزن الخوف في المسام، كنا في زمرة الطلاب الذين عرفو ساحات الجنوب اكثر من قاعات الدراسة شهدنا أهوال “الميل أربعين”. تلك المعركة التي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت مذبحاً للشباب والأحلام، ونقطة تحول رسمت بالدم والدموع ملامح السودان الفاجع.
وكانت الذاكرة السياسية تتراكم كطبقات من الغبار الثقيل على الأرواح. شهدنا انتفاضة أبريل وسقوط النميري، وظننا أن الفجر قد أطل، غير أننا سرعان ما دخلنا في تيه “الديمقراطية الثالثة” وفوضاها السياسية، حيث سادت المناكفات والهشاشة، حتى أفقنا على جدار “الإنجازات والتقلبات” التي شكّلت واقعنا قسراً وكسراً. ثلاثون عاماً من العرق ونزيف الروح الذي لم يتوقف ، والتحولات العقائدية، والتجارب المعملية التي أُجريت على أجسادنا وأعصابنا يومياً، حتى غدونا غرباء في أوطاننا، أو مشاريع شهداء في حربٍ لا تنتهي. اخبار السودان
نحن الجيل الذي وُضع على الحافة؛ الجيل الذي قفزت عليه الأحداث ليصبح هو الجسر الذي عبرت عليه الأزمات بحلوها الأنيس ومُرّها العلقم. لم نكن صناع تلك النكسات، لكننا كنا دائماً حطبها المشتعل. ومع كل خطوة على هذا الجسر، كانت الأيام تقتطع من أرواحنا قطعة، ومن أجسادنا نضارة، وتترك بدلاً منها ندوباً لا تُرديها الضمادات، وجروحاً غائرة لا تمحوها البلاغة ولا تتسلى عنها الذاكرة.
ثم رأينا البلاد تنشطر أمام أعيننا. تشكلت الحياة في أروقتنا الداخلية على نغم الشجن والتشظي ذاته الذي تشكل به سودان ما بعد الانفصال: قلبٌ مقطوع الشريان، وروحٌ نصفها غائب في جوبا، ونصفها المعذب يحترق في دارفور. ولم نكد نستريح من وجع البتر، حتى شملت النار الدار كلها، وأصبح السودان بأكمله ساحة رماد.
ماذا تبقى في الروح؟ هذا هو السؤال الذي يتردد صداه تحت أقواس الضلوع المنهكة. لقد تمددت سنين الألم حتى فاضت عن سعة الجسد، فغطت الملامح، وغيرت نبرة الصوت، وأطفأت ذلك البريق الذي كان يوماً يُسمى “أقدار الشباب”. سرقت الأحداث أسرار عمرنا، وأخذت منا زهرة الحياة قبل أن نتذوق رحيقها، وتركتم لنا وزر أن نكون “الشهود المتبقين” على مأساة وطن لم يبرأ قط.
لكننا، رغم الندوب ورغم العمر المسروق، ما زلنا نحمل في بقايا هذه الأرواح المجهدة حكايتنا العظيمة؛ حكاية صمود هذا الجيل الذي لم ينكسر قلمه، ولم يسقط إيمانه بالإنسان، حتى وهو يقف وسط الخراب، يرثي بلاده ويتذكر ضحكة عينيها القديمة.
خضنا معارك الاستوديو وغرف الأخبار، وتتبعنا تفاصيل التحولات الكبرى وشهدنا على تقلبات العالم، لكن نقل خبرٍ عن وجع الوطن يظل أصعب المعارك وأشدها نكئاً للجراح. والندوب التي خَلّفتها هذه السنون لم تعد أوجاعاً نخشى تذكرها فحسب، بل أضحت أوسمة تعافٍ تروي قصة نجاة وصمود، وتؤكد أن الروح رغم النفي والتشتت ما زالت تمسك بقلبها الصاحي.
ورغم الحزن المقيم، ورغم ما حملته السنين من أثقال الغربة، ما زالت الآمالُ بكراً تترقب ولادتها، وما زال في النفس “شيءٌ من حتّى”.. أسئلةٌ تبحث عن عودة، وحكاياتٌ تنتظر أن تُروى تحت سماء يافعة، ورغبةٌ أصيلة في مواصلة السير.
في هذا اليوم، لا أسكب الحسرة على ما مضى ولا على الجغرافيا التي باعدت بيننا وبين الديار، بل أرفع الكأس وفيها بقيةٌ من شغف وأمل، لأهدي نفسي لحظةَ احتفاءٍ تليق بالصمود، وتستشرف بكثير من الرضا عودةً إلى وطنٍ يستحق الحياة
يقف المرء في محطة من عمره، يلتفت إلى الوراء فلا يرى سنواته التي تسربت، بل يراها قد تجسدت روحاً ووجوماً تعيش حوله. إنها اللحظة الشفافة التي يدرك فيها الإنسان أن كل ما غرسه في صباه وشبابه الان يطوي ، وأن أوجاع الأيام التي عبرها قسراً قد أثمرت أماناً وأنساً يحيط به من كل جانب.
لقد عبرت في هذا المسير الكثير من العواصف، ووقفت على جسر الأحداث الطويلة والحروب والمآسي، لكني لم أخرج فارغ اليدين؛ خرجت بهؤلاء الذين هم ثمرة الحقيقية في الأرض. ليس في هذا الاتكاء سوى الطمأنينة السامية، بأن المسيرة قد قاربت الاكتمال ، وأن الروح تسندها أجساد من دمي، وأرواح من روحي، يحملون عني تعب السنين، ويحفظون ودادي حياً لا يموت.









